يظهر علماء الآثار المصرية القديمة اهتماماً متزايداً باستخدام تكنولوجيا الاستشعار عن بعد، أو ما يعرف بتقنية التنقيب الفضائي عن الآثار في مهام البحث المتواصلة عن الأهرام المفقودة. وتعتمد هذه التقنية على تحليل صور الأقمار الصناعية للمواقع الأرضية باستخدام الأجزاء المختلفة من الطيف الكهرومغناطيسي للتعرف على الصروح والمستوطنات المفقودة من العصور الغابرة. ومع أن هذه التقنية موجودة منذ فترة طويلة إلا أن استخدامها في علم الآثار لا يزال حديث العهد، خاصة في مصر.

وقبل 11 سنة، بدأت الدكتورة سارا باراك، عالمة الآثار في جامعة ألاباما الأمريكية، بالتعامل مع تقنيات الاستشعار عن بعد، وأمضت آلاف الساعات في المختبر في تعلم أفضل السبل لتطبيق هذه التقنية على الظروف الجيولوجية والمناخية الخاصة بمصر.

وسرعان ما تبين لسارا أن الكثير من أسرار المصريين القدامى لا تزال مدفونة تحت الرمال. وهي تقدر ان المعروف حتى الآن لا يتجاوز 1 بالمئة من مصر القديمة، وتعتقد أنها عثرت من خلال تحليل الصور الفضائية على ما يكفي من المواقع لإبقاء بعثات الحفريات الأثرية مشغولة لعدة أجيال. وقد يبدو هذا الادعاء صعب التصديق، على اعتبار أن العلماء من مختلف أنحاء العالم انكبوا على دراسة كنوز مصر القديمة منذ أكثر من 200 عام، تراكم خلالها كم كبير من المعارف بفضل جهود رواد علم الآثار من أمثال فليندرز بيتري وهاورد كارتر.

فهل حقاً يمكن للتكنولوجيا الحديثة كشف أشياء جديدة عن هذه الحضارة التي كانت ولا تزال موضوع دراسات مستفيضة على مدار قرنين؟ لمعرفة الإجابة على هذا السؤال، انطلق فريق إعلامي متخصص من بي بي سي برفقة الدكتورة سارا في رحلة تستمر خمسة أسابيع لاختبار فعالية التنقيب الفضائي عن الآثار على أرض الواقع، حيث توجه الفريق من الجيزة إلى الاقصر على طول النيل في موكب من سيارات الجيب المزودة بأحدث التجهيزات العلمية، وعرجوا في الطريق على العديد من المواقع التي تظهر صور سارا ان فيها مباني أثرية دفينة.

توقف الفريق في موقع قصر الحريم الملكي، وبدأ الباحثون بمن فيهم الدكتور بيتر لاكوفارا، العامل في الموقع، يمعنون النظر في الصور الملتقطة للموقع من الفضاء، والتي كشفت عن وجود قرية عمال محاذية للقصر مع دلائل واضحة تشير إلى وظيفة كل مبنى في القرية. وأهم من هذا كله، ان الصور كشفت أيضاً عن مجموعة مبان سكنية غير مكتشفة من قبل، فوق رصيف مائي على ضفاف أحد روافد النيل القديمة المندثرة من أمد بعيد.

وهكذا بدأت تتشكل صورة أوضح عن حياة المصريين القدامى بفضل تكنولوجيا التنقيب الفضائي عن الآثار: فلل مطلة على النيل مباشرة للنخبة وقرية عمال تؤمن حاجات قصر الحريم من القماش والأواني والحلي والطعام. ويبدو واضحاً من صور سارا أن هناك أشياء كثيرة لم تكشف عنها الحفريات بعد في المستوطنة المجاورة للقصر، تعدُ بإلقاء الضوء على تفاصيل جديدة مهمة في حياة حريم الملوك ورعاياهم.

ويقول بيتر: لطالما اشتكى علماء الآثار من ندرة المعلومات المتوفرة حتى الآن عن الحياة اليومية للمصريين القدامى. معظم بعثات الآثار المبكرة سعت للعثور على القطع الأثرية والتماثيل، ولذلك ركزت على المدافن والمعابد، والنتيجة أننا نعرف الآن عن كيفية موت أولئك الناس أكثر مما نعرف عن حياتهم. ولذلك فنحن بحاجة ماسة للحفر في المواقع السكنية، ومع توفر هذه التقنية الجديدة، يمكننا الآن الكشف بشكل فوري عن مواقع كان يتطلب العثور عليها في الماضي عقوداً طويلة».

ولقد بدأ علماء الآثار العاملون ميدانياً في مصر يلمسون بالفعل ثمار تكنولوجيا التنقيب الفضائي، التي تسهم الآن بشكل فعال في رسم صورة متعددة الطبقات لأرض مصر القديمة وحياة شعبها. ومن بين هؤلاء الدكتور روبرت شيستل، الذي يقوم بالتنقيب في أحد مواقع الاهرام الدفينة المحتملة. ويقول شيستل لقد أصبحت تكنولوجيا التنقيب الفضائي عن الآثار بمثابة أداة أساسية لا تقدر بثمن في جعبتنا، إلى جانب أدوات المسح التقليدية المستخدمة. ولقد بدأت هذه التقنية المذهلة تقدم لنا فهماً جديداً للعلاقة بين البيئات الطبيعية المتغيرة والمستوطنات في مصر القديمة».

ويتفق معه في الرأي بيتر لاكوفارا الذي يقول: يمكن لهذه التنقية أن تسرع معرفتنا بالمستوطنات القديمة على طول مصر وعرضها، وهو أمر كان يبدو مستحيلاً قبلها. وبالتأكيد انها ستساعدنا في تطوير استراتيجيات حفر أكثر كفاءة في استغلال الوقت والموارد.