في مزرعة ألبان تضم 3000 رأس بقر بالقرب من مدينة إيثاكا، بولاية نيويورك، يحاول رودريغو بيكالو، عالم الحيوان في جامعة كورنيل المجاورة، أن يعرف ماذا يحدث إذا أعطى العجول حليباً معالجاً بالضوء فوق البنفسجي، عوضاً عن الحليب المبستر.

ومع أن بسترة المواد الغذائية أدت بدون شك إلى تراجع كبير في الأمراض المحمولة بالأغذية، بما في ذلك داء السلّ، فإنها لا تقتل كل الكائنات المسببة للمرض، التي يمكن أن تدمر بعض العناصر الغذائية في الحليب، كالبروتينات والفيتامينات.

ويمكن أن تمثل هذه مشكلة حقيقية مثلاً عند استخدام المادة اللزجة الكثيفة التي تخرج من ثدي الأم بعد الولادة مباشرة والتي تعرف باللبأ أو الصمغة، وتوفر البروتينات المناعية الحيوية لحماية المولود الجديد من الأمراض. تؤدي عملية البسترة إلى إفقاد هذه البروتينات لطبيعتها الخاصة، فتجعلها عديمة الفائدة، كما يقول بيكالو، الذي يقوم الآن بأول دراسة من نوعها لرؤية ما إذا كان الحليب المعالج بالأشعة فوق البنفسجية يمكن أن يوفر بديلاً قابلاً للحياة.

وصحيح ان التعرض للضوء فوق البنفسجي لا يقتل كل الكائنات الدقيقة المسببة للمرض، لكنه يتلف حمضها الوراثي النووي (دي إن إيه) إلى درجة تكفي لمنعها من التكاثر. وفي حين يمكن استخدام الطريقة ذاتها لتعقيم الماء، فإنها لا تزال تقنية جديدة نسبياً، وليس من الواضح بعد مدى كفاءتها في التعامل مع الفيروسات والبروتوزونات، مثل طفيلي الجيارديا. وفضلاً عن ذلك، فإن التقنية تعتمد على الضوء للوصول إلى جميع أجزاء السائل، وهو أمر سهل مع السوائل الشفافة كالماء، لكنه يصبح معقداً مع السوائل الأخرى كالحليب والعصير.

وللالتفاف حول هذه المشكلة، يستخدم بيكالو جهازاً يدعى تيربيولاتور، طورته شركة شور-بيور السويسرية. يتألف الجهاز من سلسلة من الأسطوانات تتخللها أخاديد بها مصابيح صغيرة مضاءة بالأشعة فوق البنفسجية موزعة في الوسط بفاصل 1.5 ميليمتر بين الواحد والآخر، يتم تمرير الحليب خلالها. وتتسبب الأخاديد بتدفق الحليب في تيار مضطرب، مما يضمن تعرضه بكامله إلى الضوء فوق البنفسجي لدى مروره عبر الأنابيب.

ويعلق الباحثون الآمال على أن تقدم تقنية المعالجة بالضوء فوق النفسجي طريقة بديلة للبسترة لشلّ الجراثيم، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الخصائص المفيدة للمواد الغذائية. كما أن هذه التقنية تستهلك الطاقة بكميات ضئيلة جداً لا تذكر بالمقارنة مع الطاقة التي تحتاجها المعالجة بالحرارة، ومع ذلك يمكنها النيل من تلك الميكروبات التي لا تتأثر بالبسترة.

وبالعودة إلى المزرعة، يصب بيكالو كمية من صمغة البقرة في جهاز التريبيوليتر. وسيتم تغذية العجول إما على الحليب المبستر أو الحليب المعالج بالضوء فوق البنفسجي حتى سن الفطام، وسيتم خلال هذه الفترة مراقبة وزن تلك الحيوانات وحالتها الصحية العامة.

والهدف النهائي من هذه الدراسة معرفة ما إذا كانت المعالجة بالضوء فوق البنفسجي يمكن أن تكون ملائمة لحليب الأطفال. وعندما لا يدرّ صدر الأم الحليب بعد الولادة يعطى الطفل عادة صمغة متبرع بها، غالباً ما تكون مبسترة، وهو ما يفقدها خصائصها الفريدة.

ويمكن استخدام تقنية المعالجة بالضوء فوق البنفسجي أيضا مع النبيذ والجعة وعصائر الفاكهة. فعصير العنب، على سبيل المثال، يستخدم كمادة تحلية في العديد من المواد الغذائية، وكثيراً ما يكون ملوثاً بنوع من الخمائر لا يتأثر بالبسترة لكن ربما يمكن تعطيله بالأشعة فوق البنفسجية.

لكن من المبكر جداً الحديث عن نجاح هذه التقنية على أرض الواقع. فلقد وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على أسلوب معالجة العصائر بالأشعة فوق البنفسجية منذ سنوات عديدة، لكن حتى الآن لا تزال البسترة تعتبر الأسلوب الأوسع استخداماً في هذا الميدان، إذ يتم معالجة 98 بالمئة من العصائر المباعة في الولايات المتحدة بطريقة البسترة.

ولقد أثبتت كاثرين دونيلي، عالمة بيولوجيا الميكروبات الغذائية وزملاؤها في جامعة فيرمونت الأمريكية أن المعالجة بالضوء فوق البنفسجي كفيلة تعطيل نشاط جرثومة إشيريشيا كولين في عصير التفاح. وتقول دونلي ان تقنية شو-بيور تبدو واعدة، لكنها تضيف أن الحليب يحتوي على كائنات ممرضة أكثر من العصير، لذلك سيتمثل التحدي الكبير التالي في إثبات ان التقنية تمثل طريقة معالجة آمنة للحليب.