في أعماق الغابات المطيرة، ينبش العلماء الأرض بحثاً عن كنوز دفينة مخبأة منذ آلاف السنين. وهذه الكنوز ليست ذهباً أو فضة، بل مجرد طبقة سميكة من التراب الداكن المستخدم في العديد من الحدائق. لكن في حقيقة الأمر ان هذه التربة الداكنة الخصبة مميزة جداً، لأن الغابات الاستوائية برغم كونها مورقة وخصبة، عادة ما تكون تربتها رقيقة وفقيرة جداً. والأغرب من هذا كله مصدر تلك التربة الداكنة.

ويقول جيمس فريزر، عالم الأنثروبولوجيا في جامعة ساسكس البريطانية، الذي يبحث عن هذه التربة في غابات إفريقيا المطيرة منذ سنوات: "لعلك تتوقع العثور على مثل الموارد الخصبة الثمينة في أعماق الأدغال بعيداً عن المستوطنات البشرية أو المزارعين. لكنني أبحث عنها حول تخوم القرى والبلدات القديمة، وفي المناطق التي لا تسودها أساليب الزراعة التقليدية. وعادة كلما كانت المستوطنة أقدم وأكبر، كانت التربة حولها أدكن لوناً".

ومثل تلك النتائج بدأت تطعن في صحة بعض أفكارنا القديمة، التي كانت تلقي اللوم على مزارعي الأدغال، ليس فقط في قطع الأشجار، بل أيضاً في استنزاف التربة. لكن اكتشاف هذه الترب الغنية أولاً في أميركا الجنوبية والآن في إفريقيا أيضاً يشير إلى أن العديد من مستوطني الغابات المطيرة كانوا يزرعون عن قصد أو بغير قصد بطريقة ساهمت في تعزيز خصوبة التربة بدلاً من تدميرها. وفي واقع الأمر ان جزءاً مما نعتقد بأنها غابات خضراء عذراء هو في الحقيقة عبارة عن أرض زراعية مهجورة منذ زمن طويل، خصبتها الفضلات التي خلفها السكان القدماء من البشر.

وفي العقود القليلة الماضية، ظهر بشكل واضح أن تلك الترب ليست طبيعية، بل من نتاج البشر. ولقد اكتشف الباحثون أدلة دامغة على ذلك، حين عثروا فيها على الكثير من الأواني الفخارية وبقايا الخشب المحروق من النيران التي كان يشعلها القدماء إلى جانب الفضلات العضوية من مخلفات المحاصيل الزراعية وعظام الحيوانات والأسماك. ويعتقد بأن الكربون الأسود الناتج من الفحم النباتي هو العنصر المكون الأساسي في التربة الداكنة. ويمكن للكربون الأسود أن يدوم في التربة لأكثر من مليون سنة، ويستطيع احتجاز المواد المغذية بفضل طبيعة تركيبته الكيميائية.

ويجادل بعض علماء الأنثروبولجيا بأن مثل هذه "الترب الأنثروبوجينية الداكنة" تحل لغزاً قديماً: كيف استطاع السكان القدماء الذين عاشوا في الأمازون في عصور ما قبل كولومبوس زراعة ما يكفيهم من الغذاء في تربة الأدغال الفقيرة؟

وفي الأمازون اندثرت معارف كيفية إيجاد التربة الداكنة الخصبة قبل نحو 500 عام عندما قضى المستوطنون الأوروبيون على معظم السكان الأصليين. لكن فريزر،الذي درس التربة الداكنة في الأمازون قبل الانتقال إلى إفريقيا، يقول إن هذه الممارسة في إفريقيا أحدث عهداً بكثير ومفهومة بشكل أفضل عند القرويين.

وكان المستكشفون الأوروبيون في القرن التاسع عشر قد ذكروا ان المزارعين في بعض أجزاء إفريقيا يحرقون الأخشاب وأنواعا أخرى من النباتات تحت طبقة من التربة، ثم يوزعون الرماد الناتج في أنحاء حقولهم. ومن الواضح ان هذه الممارسة كانت مدروسة ومقصودة، لكن في بعض الحالات كما يقول فريزر "ربما نشأت التربة الداكنة بمحض المصادفة كناتج ثانوي لطريقة عيش القدماء".

وسواء كانت تلك ممارسة مقصودة أم لا، فإن فهم كيفية تشكل التربة الخصبة الداكنة قد يكون مفيداً جداً في عصرنا هذا. وقد يكون هناك بعض الأشياء البسيطة التي يمكن أن يقوم بها الآن المزارعون في إفريقيا وفي أماكن أخرى بالعالم لتحسين خصوبة تربتهم وغلال محاصيلهم. وكفائدة إضافية، تعمل التربة الداكنة أيضاً على احتجاز الكربون الذي، لولا ذلك، سينتهي به المطاف إلى الغلاف الجوي.

وفي الواقع ان بعض خبراء البيئة يحلمون بإنتاج التربة الداكنة على مستوى صناعي عن طريق صنع كميات كبيرة من الفحم النباتي أو "الفحم الحيوي"، كما يسمونه. لكن منتقدي هذه الأفكار يقولون إنها تتطلب استخدام مساحات كبيرة من الأراضي لإنماء المواد لصنع ذلك الفحم الحيوي.