في الشهر الماضي استضاف معهد أبحاث الاتصالات المتقدمة قمة استثنائية في نارا باليابان، جمعت ثلاثة أشخاص حقيقيين مع توائمهم الروبوتية، المسماة بالجمينويدات. ومخترع هذا النوع فائق الواقعية من الإنسان الآلي هو البروفيسور هيروشي إشيجورو، الذي قام مع بروفيسور آخر اسمه هنريك شارف وعارضة أزياء يابانية باحتساء الشاي مع توائمهم الافتراضية.

لكن هذه الجلسة التي كان يفترض أن تكون حميمة شهدت بروز تأثير ما يعرف بـ "هوة الغرابة" بشكل أوضح من أي وقت مضى. ويختزل هذا التعبير الذي ابتدعه عالم الروبوتات الياباني ماساهيرو موري، الفرضية القائلة بأنه رغم أننا نشعر للوهلة الأولى بالسرور والفضول عندما نرى روبوتات قريبة الشبه بالإنسان، فإن هذا الإعجاب ينقلب إلى نفور واشمئزاز، عندما يصبح الروبوت شديد الشبه بالإنسان. وإذا وضعنا بيانات الاستجابة البشرية لدرجة شبه الروبوت بالإنسان على مخطط بياني، سنلاحظ أن المنحنى سيستمر بالارتفاع إلى أن ندخل في حيز شخصية الدكتور فرانكشتاين الشهيرة، ليبدأ بعد ذلك المنحنى بالانخفاض بشكل حاد مشكلاً هوّة كبيرة قبل أن يعود للارتفاع إلى ذروة ثانية عند اكتمال الشبه بالإنسان.

إذن فهذه "الهوة" تصف الروبوتات التي تقع بين درجتي "الشكل الذي يكاد يكون بشرياً" و "الشكل البشري الكامل". ولذلك فإننا نحب الروبوتات مثل "سي 3 بي أو" و "أسيمو" و"نامو" بكل رونقها الإنساني، لكن عندما نستعيض عن عيونها الإلكترونية المضيئة بحدقات عيون تجميلية حقيقية ونستعيض عن جسمها الهندسي المتناسق بلحم اصطناعي لا يفرق عن بشرة الإنسان، نبدأ بالشعور بالقلق والتشويش ونفقد تقمصنا العاطفي مع الروبوت. وما لم يتمكن الخبراء من القفز فوق هذه الهوة وهو أمر لم ينجح أحد بتحقيقه حتى الآن يفضل أن يصمموا روبوتات شكلها أقرب إلى الآلة منها إلى الإنسان.

ويبلغ مستوى الإحساس بالغرابة ذروته مع الجمينويدات: وهي عبارة عن روبوتات مستنسخة بعناية فائقة عن شخصيات بشرية حقيقية، ولا يميزها عن تلك الشخصيات، من حيث الشكل، سوى بضعة تفاصيل صغيرة تختلف بفارق درجات قليلة عن السمات البشرية مثل طريقة تحرك البشرة فوق جسم الروبوت والأيدي الشمعية الفاقدة للحيوية وكأنها أيدي جثة ومرونة الشفاه خلال حركة الفم وحركة الأجفان المتثاقلة عندما يرمش الروبوت.

ولقد طرحت عدة نظريات لتفسير الآلية الإدراكية التي تقف وراء هذه الهوة، وتشير إحداها إلى أننا نميل إلى مقارنة الروبوتات المستنسخة مع النموذج البشري الأصلي بدلاً من مقارنتها مع روبوتات أخرى، ولذلك نصبح أقل تغاضياً عن سماتها غير البشرية التي تصبح أكثر وضوحاً، وهو ما يؤدي إلى إحساس بالغرابة. وتشير نظريات أخرى إلى أن سبب هذا التأثير ربما يكمن في نزعتنا الفطرية النشوئية إلى تجنب الاقتراب من الكائنات الممرضة أي نفس ردة فعلنا عندما نرى جثة أو شخصا مريضا أو أو إلى استثارة خوفنا الفطري من الموت.

وبالطبع فإن هناك من يشكك بفرضية "هوة الغرابة"، لكن باحثين من جامعة برينستون قاموا في 2009 باختبار الظاهرة عن طريق عرض ثلاث صور مختلفة لوجوه قردة أمام قردة حقيقيين: الأولى صورة عادية لوجه قرد والثانية صورة معالجة ليبدو الوجه غريباً، والثالثة وجه مصور على طريقة الكاريكاتير. وبدا أن القردة تفضل النظر إلى الصورة والوجه الكاريكاتيري غير الواقعي، ما دفع الباحثين إلى الاستنتاج أن صورة وجه القرد المعالجة كانت منظراً بغيضاً بالنسبة للقردة وهو يؤيد التفسير النشوئي لهوة الغرابة.

وفي حين تساعد تكنولوجيا التصوير ثلاثي الأبعاد مصممي ألعاب الفيديو في بناء شخصيات حاسوبية مستنسخة عن الشخصيات البشرية ببراعة تتخطى تأثيرات هوة الغرابة، فإن مصممي الروبوتات يواجهون تحدياً أصعب، لأن مهمتهم لا تقتصر على بناء نماذج ثلاثية الأبعاد عن الجسم البشري، بل تتعدى ذلك إلى استخدام المواد الاصطناعية لمحاكاة البنى البيولوجية. ومما لا شك فيه أن التكنولوجيا والمواد ستتطور وسيتمكن خبراء الروبوتات يوماً ما من تجاوز الهوة، لكن حتى ذلك الحين، سنظل ننفر من منظر الروبوتات البشرية الغريبة.