جلب القرن العشرون لنا كنزاً من التقنيات والابتكارات التي غيرت حياتنا، من السيارات التي يمكن إنتاجها بكميات كبيرة إلى التلفزيونات ورقائق السليكون. لكن لعل أهم ابتكار على الإطلاق جاء من فريتز هابر في 1909، حيث كان أول من سحب الهيدروجين من الهواء لإنتاج الأمونيا وهو عنصر أساسي في الأسمدة الاصطناعية التي سمحت بزيادة إنتاجية الأغذية لمواكبة زيادة سكان العالم.

لكن عملية التطور والنشوء الطبيعية سبقت هابر إلى "جائزة السماد "المجاني" بحوالي 60 مليون سنة. كان ذلك عندما دخلت البقوليات في علاقة تكافلية مع نوع من بكتيريا التربة المثبتة للنيتروجين يعرف باسم الريزوبيا، وبدأت بتوليد إمداداتها الخاصة من السماد من الهواء. وفي 20 أبريل الماضي، التقى فريق من 20 باحثاً في سياتل بالولايات المتحدة في اجتماع استضافته مؤسسة "بيل ومليندا غيتس" الوقفية لمناقشة ما كان يعتبر حلماً مستحيلاً: إيجاد طريقة لتدريس مهارة البقوليات لكل المحاصيل الزراعية الكبرى الأخرى. وإذا نجح العلماء في هذا، سنحتاج إلى كميات أقل بكثير من الأسمدة الاصطناعية التي منحها هابر للعالم والتي طالما اقترنت سمعتها بالأضرار البيئية التي تسببها للأنظمة الإيكولوجية الطبيعية.

يبدو التحدي بسيطاً ومباشراً إلى حد ما، ويتمثل في تقليد العلاقة التكافلية القائمة بين البقوليات وبكتيريا الريزوبيا في محاصيل الحبوب. وقبل عشرين عاماً تنبأ الباحثون بأنهم سينجزون هذه المهمة بسرعة بعد اكتشاف مجموعة الجينات البكتيرية التي تصنع السماد، بما في ذلك تلك التي تصنع أنزيم النتروجينيز المثبت للنتروجين. وظنوا أن الأمر ببساطة لا يتطلب سوى نقل تلك الجينات إلى محاصيل الحبوب. لكن التجارب الأولية لتعديل التركيبة الجينية للمحاصيل الزراعية أظهرت أن الباحثين كانوا مفرطين في التفاؤل. ففي ذلك الحين كان نقل جين أو بضع جينات عاملة إلى نبات ممكنا لكن بشق الأنفس، أما نقل مجموعة كاملة من 50 جيان بكتيريا مثبتا للنتروجين فكان أمراً شديد التعقيد لدرجة تجعله يبدو غير ممكناً على أرض الواقع.

ويقول آلان جود، من جامعة ألبيرتا الكندية، والذي كان من المنظمين الأساسيين للقاء سياتل "لا أظن أن أحداً صرح علنا بفقدان الأمل في ذلك الوقت، لكن الجميع أدركوا أن الأمر كان أصعب بكثير مما كانوا يظنون».

والآن تبين أن هذا المستوى من التعديل الوراثي قد لا يكون ضرورياً أصلاً. ففي يناير الماضي، أظهر الباحث الفرنسي فابيان ماييه في مختبر تفاعلات الكائنات النباتية الدقيقة أن شبكة الإشارات التي تستخدمها البقوليات للتواصل مع بكتيريا الريزوبيا شبيهة على نحو غير متوقع بالشبكات التي تستخدمها محاصيل الحبوب للتواصل مع الفطريات في التربة والتي توفر مواد مغذية حيوية أخرى لجذور النبات. ووجد ماييه أن إشارات "الاستئذان" الكيميائية التي تنتجها الفطريات لتدخل إلى جذور النباتات لا تختلف عموماً عن الإشارات التي تستخدمها بكتيريا الريزوبيا كإشارة تنبئ البقوليات بوجودها.

ويقول جيلز أولدرويد، من مركز أبحاث جون إينز البريطاني "ظننا أن علينا إعادة ابتكار العملية بأكملها في الحبوب، لكننا اكتشفنا الآن أن الآلية موجودة أصلاً وكل ما علينا فعله هو تعدليها قليلاً».

ويقول أولدرويد ان الصلات التي تربط بين النباتات الأرضية والفطريات تعود إلى حوالي 400 مليون سنة، أي أنها أقدم بكثير من ثنئاية الريزوبيا مع البقوليات التي لا يتجاوز عمرها 60 مليون سنة.

ولعل ما يمكن استنتاجه من هذه الدلائل الأخيرة أن بكتيريا الريزوبيا "سرقت" إشارة الفطريات القديمة للتواصل مع النباتات، واستـخدمتها كحيلة لتشق طريقها إلى البقوليات وتشكل العلاقة المثبتة للنيتروجين. ويشير هذا إلى أن كل انواع النباتات الأخرى تمتلك الآلية لتطوير تلك العلاقة أيضاً. وفي وقت سابق هذه السنة، أثبت علماء الأحياء صحة هذا المبدأ، في النبات الوحيد من غير فصيلة البقوليات، حسب علمهم، الذي طور علاقة تكافلية مع بكتيريا الريزوبيا. فلقد اكتشفوا أن شجرة الباراسبونيا الاستوائية الصغيرة قامت بهذا عن طريق تعديل ممرات الإشارات الكيميائية المستخدمة للتواصل مع الفطريات التكافلية.

ويقول أولدرويد ان استغلال هذه الآلية سيوفر للباحثين طريقة أسهل للتوصل إلى حبوب منتجة للأسمدة. وستكون الأولوية لتعديل محاصيل الحبوب بحيث تتعرف على بكتيريا الريزوبيا وتستضيفها.

ولقد ناقش أولدرويد خططه في سياتل كما فعل راي ديكسون، من مركز جون إينز أيضاً، والذي مازال مقتنعاً أنه بالإمكان نقل مجموعة الجينات المثبتة للنيتروجين الموجودة في الريزوبيا بنجاح إلى محاصيل زراعية، لتعديلها وراثياً بحيث تقوم ذاتياً بدور تثبيت النتروجين الضروري لإنتاج الأسمدة.

 

ثمن باهظ

 

مع أن الأسمدة الاصطناعية تساعد في إطعام نصف سكان العالم عن طريق زيادة غلال المحاصيل الزراعية، فإننا ندفع ثمناً باهظاً لذلك، متمثلاً في الأضرار التي تلحق بصحتنا وبيئتنا من جراء التعرض لها. هذه الكلمات التحذيرية جاءت من 200 باحث عالمي أطلقوا الشهر الماضي مشروع "تقييم النيتروجين الأوروبي"، ليكون بذلك أول مشروع علمي من نوعه لتقييم آثار النيتروجين على صحة السكان والبيئة على مستوى القارة.

ويقدر أن التلوث الناتج عن النيتروجين في أوروبا يكلف كل مواطن أوروبي حوالي 1000 دولار كل سنة، يذهب 40 بالمئة منها لتغطية تكاليف إصلاح الأضرار التي تحلق بالزراعة.