يكثر الحديث في أوساط علم الفيزياء الفلكية عادة عن المادة الداكنة المفقودة التي يبحث عنها العلماء منذ عقود ويعتبرونها مفتاح فهم نشأة الكون وتطوره، لكن هناك جزءاً آخر من الكون مفقود أيضاً عبارة عن كمية هائلة من المادة المرئية القابعة في السحب الغازية القديمة، والآن بدأ الفلكيون يتوصلون إلى دلائل ربما ترشدهم إلى مكان اختبائها.
عندما تقوم إيزابيل جيرنييه، عالمة الفيزياء الفكلية في مركز أبحاث «سيا ساكلاي» الفرنسي، بمسح مجرتنا، ترى أشياء ليست موجودة الآن. فالذرات التي تراها موجودة عندما تنظر في عمق الفضاء إلى المناطق كما كانت بعد نحو مليار سنة على الانفجار العظيم، يفترض أن تكون موجودة في جوارنا الكوني اليوم، لكن الغريب أنه لا أثر لها حولنا.
وهذه المسألة لا تخص المادة الداكنة أو الطاقة الداكنة أو أية مادة افتراضية أخرى يعتقد العلماء بأنها موجودة بشكل خفي في نسيج كوننا. فالحديث هنا عن نقص فاضح ملموس في المكونات الأساسية للكون في جوارنا. فعندما نجمع كل الذرات الموجودة اليوم في مجرتنا ــ الذرات العادية التي تتشكل منها النجوم والكواكب والناس ــ نكتشف أن نصف الكمية التي نتوقع رؤيتها مفقود.
وقد تبدو مهمة عدّ الذرات في الكون مهمة شديدة التعقيد وعديمة الجدوى، لكنها في حقيقة الأمر ليست كذلك، فالجسيمات الذرية التي تتكون منها نوى الذرات تشكلت بعيد الانفجار العظيم الذي ولد منه الكون قبل 13.7 مليار سنة، وأعدادها تعتمد بشكل دقيق على ما حدث في الكون منذ ذلك الحين. فإذا نظرنا إلى أعماق الكون السحيق، الذي يبدو لنا الآن كما كان قبل 10 أو 12 مليار سنة، نرى أعداداً من الذرات، يتطابق مع ما تتنبأ به نظرياتنا المفضلة عن أصل نشأة الكون، تقبع بهدوء هناك في سحب الهيدروجين والهيليوم. ولذلك لنا أن نتوقع رؤية نفس الأعداد في الكون المحيط بنا اليوم.
ولقد شهد الكون عبر العصور مراحل نمو وتطور متعاقبة، فتلك السحب الغازية القديمة انهارت تدريجياً مشكلة النجوم والمجرات. والمجرات نمت بدورها عبر الاصطدامات والاندماجات مشكلة هياكل كونية متعاظمة الحجم. ولقد ماتت أول النجوم في انفجارات عنيفة، باذرة الكون بعناصر أثقل من الهيدروجين والهيليوم، تشكلت في أتون أفرانها النووية. وتلك العناصر ــ كالكربون، الأكسجين، السليكون وما شابه ــ مضت لتشكل الأجيال التالية النجوم والكواكب المرافقة والحياة، على الأقل في واحد من تلك الكواكب.
لكن المشكلة الحسابية التي يعمل على حلها الفلكيون الآن هي أن مجموع المادة الموجودة في نجوم مجرتنا وفي الوسط الغازي المنتشر في أنحائها لا يصل إلى الكمية التي كانت موجودة في بداية عمر الكون. وإذا كانت السحب البعيدة التي نرصدها في المراحل المبكرة من عمر الكون قد تحولت إلى عناقيد المجرات التي يتشكل منها الكون اليوم، فهذا يعني أن كل المادة التي كانت في تلك يجب أن تكون قد انتقلت إلى هذه. لكن الأرصاد الفلكية الحالية تظهر غير ذلك.
وبعد سنوات طويلة من العمل على تعقب تلك المادة المفقودة، بدأت جيرنييه مع آخرين برؤية بعض المادة المفقودة، مختبئة في جيوب خفية من المادة شديدة البرودة التي تكاد تكون غير مرئية بالنسبة للتلسكوبات التقليدية. إذن، هل حلت المسألة بهذا الاكتشاف؟ ليس بعد. فكميات المواد المكتشفة في هذه الجيوب، أقل بكثير من المواد الناقصة من كتاب حسابات الكون، كما أنها تثير أسئلة جديدة خاصة بها. فهي قد تضطر العلماء لإعادة حساباتهم بالكامل في ما يتعلق بكيفية ولادة وموت النجوم، وكيفية استمرار المجرات بالدوران في أنحاء الكون، وحتى كيفية تشكلها في المقام الأول.
ويرى وليام لانجر، من مختبر الدفع النفاث التابع لوكالة الفضاء الأميركية ناسا في باسادينا بولاية كاليفورنيا أننا لكي نفهم آلية تشكل النجوم، علينا أولاً أن نفهم طبيعة الوسط الغازي المنتشر بين النجوم، حيث تعتمد ظروف ولادة وموت النجوم إلى حد بعيد على عوامل مثل درجة الحرارة، والضغط والكثافة والاضطراب في تلك السحب الجزيئية. ويقول لانجر: «هذه ليست سوى بداية الحكاية، وربما نكتشف قريباً سحباً انتقالية كاملة من المادة المخبأة التي لم نشاهدها من قبل».
عمليات طبيعية
الكون الذي نراه اليوم، بمساحاته الخاوية الهائلة التي تتخللها مجرات متلألئة كالجواهر، هو نتاج العمليات الطبيعية. ولذلك تتركز المادة التقليدية في المجرات، حيث تتجسد 90 بالمئة منها في النجوم المتقدة الساطعة، ويوجد مقدار ضئيل جداً من الـ 10 بالمئة المتبقية في الكواكب، بينما تنتشر البقية بين النجوم في وسط غازي رقيق من الهيدروجين والهيليوم، يتخلله عدد قليل متناثر من جزيئات الغبار الأصلب بنية والأثقل وزنا. وبالنظر إلى ان كثافة هذه المادة لا تتجاوز بضعة مئات الذرات فقط لكل متر كعب، فإن هذا الوسط الرقيق المنتشر بين النجوم يعتبر فراغاً على الأرض.
