في يناير الماضي حقق كمبيوتر آي بي إم السوبر «واطسون» إنجازاً غير مسبوق حين تغلب على منافسيه البشريين في برنامج مسابقات المعلومات العامة «جيوباردي»، علماً أن كلا المنافسين بطلان سابقان في هذه اللعبة. وقبل ذلك التاريخ بـ 14 عاما، كان سلفه، الكمبيوتر الشهير «ديب بلو» قد تمكن من التغلب على بطل الشطرنج الروسي الأسطوري جاري كاسباروف. لكن الشطرنج يعتبر تحدياً رياضياً بالدرجة الأولى، وكان هذا من مصلحة العقل الآلي الذي يمتلك بالطبع قدرات حسابية هائلة. لكن ما شهدناه الآن هو كمبيوتر يتنافس مع البشر في ميادين المعرفة وفهم اللغة الطبيعية.

ومن المرتقب أن تكون الأنظمة الذكية لغوياً مثل واطسون بداية جيل جديد من الحوسبة، يغير مفهوم البحث كلياً، ليتجاوز مجرد البحث عن مكان وجود الحقائق على الإنترنت إلى القيام بجزء من مهام التفكير والتحليل الذهني نيابة عنا. وفي غضون خمس سنوات، ستقدم تلك الأنظمة سيولاً جديدة من المعلومات، لتجيب عن أسئلة ربما لم نفكر بها بعد.

ويشير ديفيد فيروتشي، كبير العلماء في فريق آي بي إم العامل على برنامج جيوباردي إلى أن كمية المعلومات التي ينتجها الإنسان تتضاعف كل سنة. ففي عام 2009 مثلاً، نشر العلماء نحو 50 ألف دراسة في مجال علم الأعصاب وحده ــ وهذا العدد يفوق مجموع كل ما نشر في هذا المجال طيلة القرن العشرين.

لكن كيف يمكننا مواكبة هذا الفيضان الجارف من المعلومات؟ يرى فيروتشي أنه بدلاً من إرشادنا إلى النتائج اعتماداً على كلمات البحث، كما يحدث الآن، سيتعين على الأنظمة الذكية فهم المعلومات أولاً لكي تجيب عن أسئلتنا. ويقول: «نريد من تلك العقول الآلية أن تقرأ نيابة عنا.

لكن بالنسبة للكمبيوتر واطسون، تمثل مهمة القراء عملية عسيرة جداً، إذ عليه القيام بمستويات عديدة من التحليل اللغوي ثم القواعدي، ثم البحث في ملايين الصفحات للتأكد من صلة المعنى بالسياق المطلوب، ثم تطبيق أكثر من مئة لوغاريتم رياضي لإعطاء الأرجحية لجواب محدد دون غيره. وهذا كله يحتاج إلى طاقة معالجة هائلة، تحتاج إلى طاقة كهربائية عالية، إذ يتألف واطسون من ثمانية أبراج من الكمبيوترات القوية التي تعادل في أدائها 2880 كمبيوترا محمولا حديثا تعمل معاً. والإجابة عن كل سؤال تتطلب من واطسون 2 إلى 5 ثوان من قوة المعالجة الهائلة ذات المستوى الصناعي التي تحتاج إلى قدرة تبريد هائلة للحيلولة دون انصهار مكونات المعالجات. وفي المقابل، فخلال هذه الثواني يكون محرك جوجل قد أنجز ما بين 86 ألفاً و170 ألف عملية بحث، مستهلكاً جزءاً لا يذكر من الطاقة التي يستهلكها واطسون.

وهذه التحديات تعني أنه من غير المتحمل أن يتحول واطسون إلى نسخة مطورة من غوغل ــ على الأقل في المستقبل المنظور. لكن من المرجح أن يتم تطوير كل من النظامين باتجاه الآخر. وفي حين ستبيع آي بي إم نظامها الذكي الخاص بوظيفة الإجابة عن الأسئلة إلى الشركات الكبرى، مثل شركات الصناعات الدوائية والبنوك في بادئ الأمر، فإن المستخدمين الأفراد العاديين ربما يصادفون هذه التقنية خلال عام أو عامين على شكل موظف مؤتمت على خطوط المساعدة الهاتفية، أو صندوق أسئلة على صفحات الإنترنت.

في هذه الأثناء يواصل جوجل تطوير تقنياته من أجل توفير أجوبة بدلاً من نتائجه المعتادة المؤلفة من قوائم بصفحات إنترنت. ويقول بيتر نروفيغ، مدير الأبحاث في جوجل، إنه في البدء سيكون المحرك قادراً على الإجابة فقط عن الأسئلة السهلة مثل «ما هي أكبر مقاطعات كندا؟» (كوبيك).

ومع تطور تكنولوجيا البحث، ستبدأ محركات الإجابات هذه بالدمج بين البيانات المجموعة من مصادر مختلفة. وعلى سبيل المثال، قد يرغب المستخدم بمقارنة معدل دخل الفرد في الشرق الأوسط بمستويات التعليم في كل بلد بالمنطقة. ومن أجل الإجابة عن مثل هذه الاستفسارات المتطورة، يقول نروفيغ: «سوف نحتاج إلى معلومات إضافية من المستخدم الذي ربما يتعين عليه إدخال جمل كاملة أو فقرات كاملة، بدلاً من الثلاث أو الأربع كلمات التي يدخلها الآن».