طور العلماء جيلاً جديداً من المباضع الجراحية الذكية التي تقوم بتحليل الأنسجة الحيوية التي تلامسها لتزود الجراح على الفور بمعلومات دقيقة عن طبيعة تلك الأنسجة وترشده حتى إتمام العملية.

 

صعوبات عملية

عندما يصادف الجراح كتلة خلال العمل الجراحي، فإن معرفة ما إذا كانت تلك الكتلة حميدة أم سرطانية، أو ما إذا كانت تلك بداية الورم السرطاني أو نهايته تشكل عنصراً حاسماً وحساساً على طاولة العمليات. وما يزيد الأمور تعقيداً ان الكتلة الالتهابية تشبه الورم السرطاني، وعندما يقرر الجراح القيام بالعملية بأسلم طريقة ممكنة، فهذا يعني عادة إطالة مدة وحجم الجراحة لاستئصال أية أورام يشتبه في أنها قد تكون خبيثة.

وإذا احتاج الجراح للتعرف إلى نسيج محدد، يتم تعليق العملية لمدة 40 دقيقة إلى أن يفرغ خبير علم الأنسجة من تحليل العينة. ويجلس الجراحون طيلة هذه الفترة مكتوفي الأيدي بينما يترك المريض على طاولة العمليات وجرحه مفتوح.

لكن ماذا لو كان بوسع الجراح التعرف فوراً على نوع وطبيعة النسيج الذي يوشك أن يقطعه؟ قام سلطان تاكاتس وفريقه في جامعة جيسين الألمانية بتطوير مقياس طيفي للقيام بهذه المهمة بالتحديد.

ونادراً ما يستخدم الجراحون شفرة فولاذية بسيطة في مسرح العمليات، وإنما يستخدمون طيفاً عريضاً من الأدوات الجراحية التي تولد الحرارة من أجل شق النسيج ولحم الأوعية الدموية في الوقت نفسه. ومن الأساليب الشائعة في هذا المجال أسلوب الجراحة الكهربائية، حيث يستلقي المريض على قطب كهربائي ضخم مسطح، ويجري عليه الجراح العملية بواسطة قطب حاد يشبه السكين. والتيار الكهربائي الذي ينشأ بين القطبين ينتج حرارة عند نقطة التقاء رأس المبضع الجراحي بالنسيج.

خلال هذه الجراحات يتصاعد دخان ورائحة من اللحم المحروق. ويتم عادة شفط هذا الدخان إلى الخارج عن طريق نظام تهوية، لكن فريق تاكاتس يقوم بإعادة توجيه تلك الأدخنة إلى مقياس طيفي عملاق.

وعندما يشفط الدخان، يتم فصل الجزيئات الصغيرة عن قطع القطران الأكبر، الناتجة عن اللحم المحروق، بفضل اختلاف سرعاتها خلال مرورها في أنبوب الشفط. ثم تدخل الجزيئات الصغيرة إلى مقياس طيفي عملاق، يصفه العلماء بأنه في جوهره عبارة عن آلة فائقة الدقة لوزن الجزيئات. ويتم بعد ذلك مقارنة طيف العينة النسيجية بقاعدة بيانات تحتوي على 16 ألف طيف نسيجي مختلف للتعرف إلى مختلف أنواع الأنسجة الحميدة والسرطانية.

وتستغرق هذه العملية كلها حالياً 0.9 ثانية، لكن بتحسين لوغاريتمات مقارنة بيانات العينة بقاعدة البيانات المخزنة على الكمبيوتر في غرفة العمليات، يتوقع أن تختصر مدتها إلى 0.2 ثانية، أي أن المبضع الجراحي الذكي سيحلل النسيج بشكل فوري لحظة بلحظة.

ويبحث فريق الأبحاث الآن عن الأطياف النسيجية التي تتعرف إلى الأنسجة المحيطة بالأورام. ففي معظم الحالات يحرص الجراحون على تجنب مرور الشق الجراحي في الورم تفادياً لانتشار بعض شظاياه إلى أجزاء أخرى من الجسم. وبهذه الطريقة يمكن للمبضع الذكي أن يحذر الجراح إذا اقترب أكثر من اللازم من الورم الخبيث، ما يمكنه من الالتفاف حوله دون المساس به، كما يقول تاكاتس.

 

مساعدة الروبوتات

ويمكن استخدام هذه التكنولوجيا لتعزيز أداء الروبوتات الجراحية أيضاً. ويقول جيمس كينروس أحد الجراحين المشتركين في المشروع «ما نسعى إليه الآن هو تطوير روبوتات جراحية لديها من النوع البيوكيميائي. وبالنظر إلى حجم الأموال والموارد الضخمة التي يتطلبها تطوير الروبوتات الجراحية، فإن من البديهي أن تدمج فيها أية أدوات حساسة من شأنها تحسين آليات اتخاذ القرارات المهمة أثناء الجراحة».

ويأمل الباحثون في إحداث تحول جذري في أساليب الجراحة والعلاج في المستشفيات. ويقول جراهام كوكس، عالم الكيمياء التحليلية في جامعة بوردو في ويست لافايت بولاية إنديانا الأميركية ان «تاكاتس أحرز تقدماً مهماً في تطبيق تقنيته على الدخان الجراحي ومن الواضح ان هذه طريقة ذكية واعدة للمضي قدماً في تطوير العمل الجراحي ككل».