تشعّ الأضواء الاصطناعية على مختلف أنحاء حياتنا اليومية في هذا العصر، من أضواء الشوارع إلى أضواء الهواتف الذكية التي لا تكاد تفارقنا، لكن العلماء يقولون ان لهذا تأثيراً كبيراً ليس فقط على ساعتنا البيولوجية، بل على صحتنا أيضاً.

في الماضي، كان يعتقد أن الأنشطة اليومية التي نقوم بها هي التي تضبط ساعتنا البيولوجية الداخلية، لكن سلسلة من الدراسات التي أجريت في الثمانينات أظهرت أن الضوء هو المفتاح الأساسي. ثم جاءت النتيجة الحاسمة في 1986، عندما أثبت الباحث تشارل تشايسلر، من كلية هارفرد الطيبة، انه بالإمكان استخدام الضوء لإعادة ضبط الساعة البيولوجية للإنسان بنفس الطريقة التي يعيد فيها المرء ضبط ساعة يده.

وساعدت هذه النتائج في تفسير سبب معاناة المكفوفين من اضطرابات متكررة في النوم. لكن تشايسلر، علم بأن الساعات البيولوجية لبضعة أشخاص مكفوفين كانت تسير بشكل مضبوط. كيف يمكن لهذا أن يحدث؟

أثبت تشايسلر أن ساعاتهم البيولوجية تنضبط أيضاً بالضوء وأن عيونهم كانت قادرة بشكل أو بآخر على رصد الضوء مع أنهم ليس لديهم إدراك واع للضوء. وأشار هذا إلى أنه يوجد في عيوننا جزيئات خاصة مستقبلة للضوء منفصلة عن المستقبلات التي نرى بواسطتها، وأنه لا بد أن العلماء لم ينتبهوا لوجودها طيلة قرون من الأبحاث. ولذلك كان تلك النتيجة، كما يقول تشايسلر، مفاجئة مذهلة لدرجة أن الكثير من الباحثين رفض التصديق.

وبعد أن رُفضت ورقة بحث تشايسلر عشرين مرة على مدار خمس سنوات، وبعد القيام بالعديد من الاختبارات الإضافية لاستبعاد أي تفسير أخرى، نشرت أخيراً نتائج بحثه في 1995. وسرعان ما تعرف باحثون آخرون على الآلية التي تقف وراء النتائج التي توصل إليها تشايسلر. ونحن نعرف الآن أن هناك خلايا متخصصة في التقاط الضوء في الشبكية تتجه إشاراتها الكيميائية إلى الساعة الداخلية الرئيسية في الدماغ، بدلاً من أن تذهب إلى القشرة البصرية. وعند بعض الأشخاص المكفوفين، يبقى هذا النظام سليماً، إذا لم يتأثر بسبب العمى لديهم، وهذا ما يسمح لساعاتهم البيولوجية بالعمل بشكل طبيعي منضبط.

والآن بدأ العلم يستخلص من هذه الاكتشافات دلالات غاية في الأهمية، إذ تشير الأبحاث بشكل متزايد الوضوح إلى أنه حتى الأضواء الخافتة يمكنها أن تؤثر على ساعاتنا البيولوجية، وهذا يعني ببساطة أن ترك الضوء مناراً أو التحديق في شاشة الكمبيوتر في أوقات متأخرة من الليل يمكن أن يوقع الفوضى في إيقاع ساعتنا الداخلية. ولقد تبين أيضاً أن للضوء الأزرق أكبر تأثير في تغيير ساعاتنا، علماً أن الأضواء العصرية الحديثة تزداد زرقة عاماً بعد عام. والخطير في الأمر أن التأثيرات المحتملة لهذا تتجاوز مجرد التشويش على ساعتنا البيولوجية والتسبب بمشكلات في أنماط نومنا، إذ هناك دلائل متزايدة تربط تواصل مثل هذه التأثيرات لفترات طويلة بأمراض خطيرة، بما في ذلك السرطان وأمراض القلب وداء السكري، ولقد ذهب بعض الباحثين إلى حد القول إنها ربما تتسبب أيضاً في تغيير طبيعة التوصيلات العصبية في الدماغ.

ومن بين الأسباب التي تقف وراء هذا التأثير أن ساعاتنا الداخلية تتحكم بإفراز هرمون الميلاتونين. وعندما يحل الظلام ترتفع مستويات الميلاتونين في أجسامنا، لتجعلنا نحس بالنعاس، في حين توقف الأضواء الساطعة عملية إنتاج الميلاتونين وتجعلنا أكثر تيقظاً. ولقد وجدت إحدى الدراسات أن إعاقة توليد الميلاتونين في الجسم ربما تزيد مستويات الإستروجين متسببة بمشكلات صحية عديدة بما في ذلك زيادة احتمالات الإصابة بسرطان الثدي.

ومقابل هذه التأثيرات السلبية المخيفة، هناك تأثيرات إيجابية للضوء، إذ يعرف العلماء منذ زمن أن التعرض للضوء الساطع القوي خلال النهار، يخفف آثار المزاج الكئيب الناتج عن الشتاءات الداكنة الطويلة في أوروبا بالنسبة للأشخاص الذين يعانون مما يعرف بالاضطراب العاطفي الموسمي. لكن الأبحاث الجديدة أظهرت فوائد أكثر عمومية للضوء. وعلى سبيل المثال، فإن نزلاء دور رعاية المسنين الذين يتعرضون لضوء داخلي ساطع جداً لمدة ساعة كل صباح كانوا أقل تعرضاً للاكتئاب بحسب دراسة حديثة نشرتها دورية الجمعية الأميركية الطبية.