في كل عام تتعرض العديد من الطائرات لحوادث متفرقة بسبب مشكلة (تجلّد) أجنحة الطائرة وذيلها، لكن مجموعة من الحلول التقنية المتطورة ستسهم الآن، كما يأمل خبراء السلامة، في التغلب على هذه المشكلة التي طالما أرّقت صناعة النقل الجوي.
في 12 فبراير 2009، سقطت طائرة نقل تابعة لخطوط كولوجان على بيت في كليرانس، قرب مدينة بوفالو بولاية نيويورك الأميركية. وقتل في الحادث جميع ركاب الطائرة وأفراد طاقمها، الذين بلغ عددهم 49 شخصاً، إضافة إلى صاحب المنزل. وخلصت نتائج التحقيق إلى أن سبب الحادث خطأ ارتكبه الطيار، لكن من بين العوامل المهمة التي أدت إلى إرباك طاقم الطائرة تراكم الجليد بكميات كبيرة على أجنحة الطائرة، ما أدى إلى خفض سرعتها الجوية وفقدانها لقوة الرفع.
وفي كل سنة يقع في الولايات المتحدة وحدها نحو 40 حادث طيران، تلعب فيها مشكلة تجلد أجنحة الطائرة أثناء التحليق دوراً أساسياً واضحاً، بحسب إحصاءات مجلس سلامة النقل الوطني الأميركي. وما بين عامي 1982 و2000، تسببت هذه الحوادث بمصرع 819 شخصاً على الرحلات الأميركية. ومن أجل الحد من هذه الخسائر البشرية والمادية الكبيرة في المستقبل، عمل المهندسون وعلماء الرصد الجوي على تطوير بعض الأفكار المبتكرة لمقاومة تجلد أجنحة الطائرة وذيلها أثناء التحليق.
ويأتي على رأس قائمة هذه الأفكار نظام «التنبؤ بالجليد» الذي دشنه الشهر الماضي المركز الوطني للأبحاث الجوية في بولدر بولاية كولورادو الأميركية. ويمنح هذا النظام الطيارين طبقة إضافية من البيانات على شاشة معلومات الرصد الجوي الملاحي، بحيث تظهر لهم احتمالات مصادفة جليد في مسار رحلتهم وعلى الارتفاع الذي يحلقون فيه، ودرجة شدة التجلد أيضاً، حسب شركة «مارسيا بوليتوفيتش» التي طورت النظام.
والغريب أن الجليد لا يتراكم على جسم الطائرة إلا في حال وجود قطرات ماء سائل في الجو، ونادراً ما يشكل وجود البخار أو الثلج أو حتى الجليد مشكلة على سلامة الطائرة.
يتشكل الجليد على الطائرة على ارتفاعات تصل إلى 7300 متر، عندما تضرب أسطح الطائرة قطرات ماء شديدة البرودة معلقة في الهواء. وتبقى تلك القطيرات في شكلها السائل حتى عندما تنخفض درجة حرارتها إلى ما دون الصفر، لكن عندما تصطدم بحواف جناح أو ذيل الطائرة، تتطاير فوقه وتتجمد، مشكلة طبقة من «الجليد الرقيق الأملس» الذي يعيق تدفق تيار الهواء. وعندما تكون درجة حرارة الهواء المحيط أقل من 20 تحت الصفر، تتجمد قطرات الماء فور ملامستها لجناحي الطائرة أو ذيلها، مما يشكل قطعاً جليدية ثقيلة على شكل أوتاد تسمى «الجليد الصقيعي».
ومع التحام الجليد بالجناحين والذيل، يتغير شكلهما على نحو يتسبب بإبطاء سرعة تحليق الطائرة. وهذا بدوره يخفف سرعة تدفق الهواء تحت الجناحين والتي تعتبر ضرورية لرفع الطائرة ما يعرضها لخطر السقوط.
ويقوم البرنامج الذي يعمل عليه نظام التنبؤ بالجليد بتحليل الصور المتلقطة بواسطة رادارات الأقمار الصناعية لرصد الظروف الجوية التي تؤدي إلى التجلد. ويقول بيلتوفيتش إن «التعرف إلى إمكانية تشكل الجليد بمرور الوقت ودرجة شدة التجلد أمر بغاية الأهمية للتخطيط الآمن للرحلة».
أما عن طريقة التعامل مع التجلد حال رصده، فلقد طور فيكتور بيترنكو في جامعة دارتماوث الأميركية نظام تسخين مذيب للجليد يعمل على تخليص أجنحة الطائرة وذيلها من الجليد المتراكم بسرعة أكبر، مستهلكاً أيضاً فقط 1 بالمئة من الطاقة التي تحتاجها الأنظمة الحالية.
المشكلة في الأنظمة الحالية أنها تعمل لفترات زمنية مطولة، وهو ما يذيب الجليد لكن يسخن في الوقت نفسه الهواء المحيط به وأجزاء الجناح الأخرى. ومن أجل إذابة فقط طبقة الجليد الملامسة للسطح، طور بيترينكو طريقة تعتمد على إرسال نبضات كهربائية إلى نظام التسخين على شكل دفقات متعاقبة تدوم الواحدة منها 1 ميلي ثانية.
ومن بين الخيارات الأخرى المطروحة للتغلب على هذه المشكلة العمل على جعل أسطح الألمنيوم المستخدمة في صناعة الطائرات «مضادة للجليد»، وذلك عن طريقة استخدام أسطح ذات بنية نانومترية خاصة تمنع تشكل بلورات الجليد في المقام الأول. وباستخدام تقنيات الحفر الدقيق على المعادن، قام ريتشارد منيني وزملاؤه في جامعة كوبيك الكندية بحفر أنماط نانومترية على الطبقة السطحية للمعدن، ثم طبقوا عليها طلاء خارجيا من التيفال، ما يزيد قدرته على مقاومة تشكل الجليد إلى أربعة أضعاف قدرة الألمنيوم العادي.
وإلى جانب الاستخدامات الجوية، يأمل الباحثون أيضاً أن في الاستفادة من هذه التقنيات المبتكرة في التطبيقات الأرضية، على سبيل المثال لمنع تشكل الجليد على خطوط الطاقة والجسور.
نسخة حديثة
كانت الأجيال السابقة من برنامج التحذير من تراكم الجليد على جناحي الطائرة تبلغ الطيار فقط ما إذا كان هناك احتمال لتشكل الجليد أثناء تحليقه في مسار رحلته أم لا. أما النسخة الحديثة فتستخدم درجة حرارة الهواء فوق الغيوم ومستويات الرطوبة وحجم قطرات الماء المتوقعة على الطريق لحساب احتمال وشدة التجلد. ثم تقوم بدمج هذه البيانات مع خرائط الطقس الرقمية العادية المستخدمة للتخطيط للرحلات الجوية والتي يوفرها مركز طقس الطيران التابع للإدارة الوطنية للمحيطات والأحوال الجوية بالولايات المتحدة.
