ترجح الأوساط العملية المختصة أن يصبح زلزال توهوكو الذي ضرب اليابان في شهر مارس الماضي الزلزال الأكثر دراسة في تاريخ العلم، وتشير نتائج التحليلات الأولية إلى أن العلماء ربما عليهم إعادة النظر في مفهومهم عن كيفية حدوث الهزات العملاقة.
شكل زلزال توهوكو صدمة كبيرة لعلماء الجيولوجيا، ومع تكشف أول النتائج المستخلصة من القراءة الأولية للبيانات التي سجلتها أجهزة القياس، بدأت تتردد في الأوساط المختصة أحاديث عن إعادة كتابة القواعد الجيولوجية لكيفية حدوث زلازل «الميغاثراست» الناتجة عن إزاحة الألواح التكتونية تحت قاع البحر. وربما يتعين الآن على جميع البلدان الواقعة على مناطق الصدوع التكتونية أن تعيد حساباتها لمعرفة ما إذا كانت معرضة لخطر حدوث مثل تلك الهزات الأرضية المدمرة.
وفي الاجتماع السنوي لجمعية دراسة الزلازل الأميركية في ممفيس بولاية تنيسي في أبريل الماضي، قدم جيولوجيون من مختلف العالم نتائج تحليلاتهم الأولية لزلزال توهوكو الذي بلغت شدته 9 درجات. ويقول إميل أوكال، من جامعة نورثويسترن في إيفانستون بولاية أيلنوي الأميركية إن «لدى اليابانيين شبكة كثيفة على نحو لا يصدق من أجهزة جي بي إس وأدوات قياس الزلازل. وهو ما يساعد على دراسة الزلزال الأخير بمستوى فائق من التمحيص».
ولقد أقنعت النتائج التي تصف ما حدث أثناء الهزة بتفاصيل غير مسبوقة البعض بأن عليهم أن يلقوا بكتبهم عن الأطر النظرية القياسية للزلازل في القمامة، لأنها ببساطة شديدة لا تستطيع تفسير كيف ارتعدت وانتفضت الأرض تحت قاع المحيط قرب اليابان. ويقول هؤلاء إن زلزال توهوكو يحتم علينا ليس فقط تغيير مفاهيمنا العلمية عن زلازل الصدوع التكتونية، المعروفة بالزلازل العملاقة، بل أيضاً تغيير تقييمنا للمناطق المعرضة لخطر حدوث مثل تلك الهزات في مختلف أنحاء العالم.
ويقول أوكال: «هناك أمور عديدة كنا نظن بأننا نعرفها، وتبين الآن بشكل مؤسف أننا لا نعرفها». وتتفق مع هذا الرأي باربرا رومانوفيتش، مديرة مختبر بيركلي للزلازل بجامعة كاليفورنيا، قائلة: «مما لا شك فيه أن أفكاراً سابقة عديدة ستتحطم على صخرة هذا الزلزال».
ولقد قام إريك كايسر وزملاؤه في جامعة هارفرد بدراسة القياسات التي جمعت بواسطة نحو 400 مقياس زلازل عالي التقنية موزعة في أنحاء أميركا الشمالية، وخلصوا من قراءة الاهتزازات التي أرسلها الزلزال إلى أنحاء العالم إلى أن سلوكه كان أكثر تعقيداً من أي زلزال آخر شهده العالم منذ بدء توثيق الهزات الأرضية.
يحدث الزلزال الصدعي عادة عندما ينزلق لوح تكتوني تحت لوح آخر، ما يتسبب في انطلاق هزة عنيفة في اتجاه واحد أو اتجاهين على طول الصدع التكتوني. وعلى سبيل المثال إذا كان خط الصدع شماليا جنوبيا، ينطلق الفتق الأرضي شمالاً أو جنوباً أو شمالاً وجنوباً في ذات الوقت. لكن كايسر وزملاؤه وجدوا أن زلزال توهوكو شق الأرض يساراً ويميناً وفي الوسط على طول الصدع.
ويقول كايسر: «لقد كونا صورة عن أمواج الطاقة الأساسية المنبعثة عن مصدر الزلزال، والتي بدت وكأنها تحاكي انفجار المفرقعات النارية التي يتطاير شررها في كل الاتجاهات على شكل نجمة. ونعتقد بأن هذا أعقد نمط زلزالي يتم رصده حتى الآن، وهو ما قد يفسر القوة المدمرة الاستثنائية لهذا الزلزال».
ولقد أظهرت نتائج كايسر أنه في يوم 11 مارس، انطلقت موجات الطاقة العنيفة شاقة طريقها على أربع بقع تكتونية منفصلة، مسؤولة عن توليد أربعة زلازل منفصلة في الماضي.
وما أثار دهشة الجيولوجيين أيضاً أن ذلك الانزلاق التكتوني الهائل حدث على صدع لم يكن مرشحاً أصلاً لتوليد زلزال بحري عملاق. فبحسب القواعد النظرية التقليدية، تعتبر الألواح التكتونية اليافعة أكثر خطورة بكثير من حيث احتمال توليدها لزلزال صدعي عملاق بالمقارنة مع الألواح القديمة الأقل حرارة والأكثر كثافة، والتي عادة ما تنزلق بشكل أبطأ. لكن قشرة الأرض المحيطية الواقعة في شمال شرق السواحل اليابانية عمرها 140 مليون سنة، ومع ذلك استطاعت أن تحدث أقوى زلزال في تاريخ اليابان.
والأخطر من ذلك أن ذلك قد لا يكون استثناء على القاعدة، بل قاعدة جديدة تلغي ما سبقها. وهذا يعني بطبيعة الحال أنه سيتعين على بلدان عديدة قريبة من صدوع تكتونية واقعة على ألواح قديمة نسبياً أن تعيد حساباتها وتعيد النظر في تقييم مخاطر تعرضها لهزات أرضية مدمرة.
