حمل مكوك الفضاء إنديفور في رحلته الأخيرة إلى محطة الفضاء الدولية، حمولة مهمة جداً، وهي مقياس ألفا الطيفي المغنطيسي، الذي يزن نحو 7 أطنان وصمم لاختبار سحب الجسيمات السرمدية المتجلدة في أعماق الفضاء.

وبعد وصول المكوك إنديفور إلى هدفه، سيوجه رواد الفضاء الذراع الروبوتية لرفع المقياس الطيفي من حجرة الشحن وتسليمها إلى الذراع الروبوتية للمحطة الفضائية الدولية. وحالما يتم تثبيت هذا النظام المعقد على الهيكل الخارجي للمحطة، سيخرج رواد الفضاء إلى خارج المحطة للقيام بتوصيل النظام وتشغيله استعداداً لبدء أعظم تجربة علمية في تاريخ المحطة الفضائية الدولية.

ويقول علماء الفيزياء الكونية إن مقياس ألفا الطيفي المغناطيسي، الذي بلغت كلفة تصنيعه تبلغ 1.5 مليار دولار، ربما يغير طريقة تفكيرنا بالكون المحيط بنا. فهو قد يخبرنا ما إذا كانت هناك نجوم أو حتى مجرات بأكملها من المادة المضادة في مكان ما بالفضاء الخارجي من حولنا، وقد يخبرنا عن طبيعة المادة الداكنة التي يعتقد أنها تسود الكون، وقد يكشف لنا عن مكان اختباء أقوى مصادمات جسيمات ذرية بالكون.

 

نجاح مدو

وإذا ما نجحت هذه المهمة في التوصل إلى أي اختراق في أي من هذه المجالات، فمن شأن ذلك أن يكون نجاحاً مدوياً في عالم الفلك. لكن المقياس الطيفي المغناطيسي لديه مهمة أخرى قديمة عليها أن يكلمها. ففي عام 1998، اكتشف نموذج أولي للمقياس إشارات خفية لما يمكن أن يكون شكلاً جديد كلياً من المادة النووية أطلق عليه اسم «المادة الغريبة». وإذا أثبتت المهمة الأخيرة صحة هذا الاكتشاف، فسوف يغير ذلك فهمنا لطبيعة مادة الكون وحتى أيضاً مصيرنا النهائي في النظام الكوني.

وسيكون وصول المرصد الطيفي المغناطيسي إلى الفضاء تتويجاً لرحلة طويلة ومتخبطة كادت أن تحبط، بدأت الرحلة في 1994 عندما قام فريق المقياس الطيفي المغناطيسي ألفا بدراسة جدوى لصالح وكالة الفضاء الأميركية «ناسا». كان قائد فريق البحث سام تينج، عالم فيزياء الجسيمات الذرية الحائز جائزة نوبل في معهد مساشوستس للتكنولوجيا، ولقد استطاع أن يأسر اهتمام مدير ناسا في حينه دان جولدين بأحد الأهداف الرئيسية للمطياف المغناطيسي ألفا البحث عن المادة المضادة البدائية في الكون.

فمن بين أكبر الألغاز المستعصية على الحل حتى الآن لماذا تغلب المادة على تكوين الكون، علماً بأن التجارب المختبرية تظهر أنه كلما يتشكل جسيم ذري من الطاقة، يتشكل معه نظيره من المادة المضادة. ولو كانت هذه عملية مثالية مكتملة، لكانت الكرة النارية المرافقة للانفجار العظيم قد أنتجت كوناً فيه من المادة المضادة بقدر ما فيه من المادة. إذاً أين هي تلك المادة المضادة؟

الاحتمال الأرجح هو ان العملية لم تكن كاملة، وانتهت إلى إنتاج المادة بكميات أكبر بكثير من المادة المضادة. وفي هذا السيناريو، لم تعد المادة المضادة توجد الآن لأنها تحولت كلها إلى طاقة خلال تصادمها مع المادة في الأيام الأولى من عمر الكون. لكن فهمنا لهذه العملية نفسها لا يزال قاصراً جداً ويترك الباب مفتوحاً لاحتمال آخر.

 

آمال كبار

ومن هنا يأمل العلماء أن يتمكن مطياف ألفا المغناطيسي من رؤية نواة ذرة هيليوم مضادة. ومن شأن هذا أن يكون اكتشافاً مهماً، لأن معظم الهليوم الموجود في الكون الآن تشكل خلال الدقائق الثلاث الأولى بعد الانفجار العظيم الذي ولد فيه الكون، ولم يتشكل داخل مراجل النجوم مثل الغازات الأخرى، ومن المتوقع أن ينسحب الكلام نفسه على أية ذرات هليوم مضادة يمكن العثور عليها في أعماق الفضاء. ولذلك فإن أية ذرات هليوم مضادة قد يعثر عليها مطياف ألفا المغناطيسي ستكون على الأرجح من بقايا المادة المضادة البدائية التي نجت من الإبادة الجماعية التي تعرضت لها لدى تصادمها مع المادة في فجر الكون، ما سيشير إلى أنه لا بد من وجود شظايا أخرى متبقية من المادة المضادة. ويقول مارت بول، الذي يرأس فريق المقياس الطيفي في جامعة جنيف السويسرية «إذا رأى المقياس ولو جسيماً واحداً من الهليوم المضاد، سنعرف حينها أن هناك تركيزات للمادة المضادة في مكان ما من مجرتنا. وإذا رأى جسيماً كربونياً مضاداً، فسنعرف أن هناك نجماً مضاداً في سمائنا».

وبرغم التشكيكات التي ووجه بها المشروع في البداية، فإن انبهار جولدين بحجم الأهداف التي تسعى لها هذه المهمة وتحمسه الشديد لها ساعد على ضمان توفير مصادر التمويل اللازمة لبناء المقياس الطيفي.

الجسيمات الذرية

للعثور على الجسيمات الذرية للمادة المضادة، استخدم تصميم المقياس الطيفي المغناطيسي جهاز كشف شبيه بتلك الأجهزة المستخدمة في تجارب مصادم هادرون للذرات. وهو مبني من مغناطيس كبير وعدة مكونات لاقطة، كل منها مصمم لقياس مظهر مختلف من العشرة آلاف جسيم التي تمر كل دقيقة، بما في ذلك طاقتها واتجاه حركتها وشحنتها الكهربائية وكتلتها. وفي أي لحظة لا على التعيين، يولد المقياس الطيفي المغناطيسي 300 ألف وحدة بيانات، تتم معالجتها بواسطة 650 معالجاً دقيقاً، ليتم بعد ذلك تسجيلها وبثها إلى الأرض، حيث ستعمل على تحليلها عدة فرق من الباحثين في 16 بلداً.