بدأ مكتب الإحصاء الوطني في بريطانيا قبل أيام بإرسال استبيانات إلى ‬200 ألف منزل في أنحاء بريطانيا، تتضمن أربعة أسئلة بسيطة: بشكل عام، ما مدى شعورك بالرضا عن حياتك هذه الأيام؟ بشكل عام، كم كنت سعيداً في الأمس؟ بشكل عام، ما مدى شعورك بالقلق والتوتر في هذه الأيام؟ بشكل عام، إلى أي درجة تشعر بأن الأشياء التي تقوم بها في حياتك تستحق العناء المبذول من أجلها؟

المثير للاهتمام هنا أن هذه ستكون أول دراسة من نوعها في العالم. صحيح أن هناك بلدانا أخرى تقوم بجمع بيانات عن سعادة مواطنيها ؟ خاصة الولايات المتحدة عن طريق استطلاعات غالوب ؟ وفرنسا التي تخطط لفعل الشيء نفسه قريباً، إلا أن بريطانيا، بدراستها الإحصائية الأخيرة، ترتقي بهذا النوع من الدراسات إلى مستوى جديد كلياً، «أشبه بالانتقال من استخدام التلسكوبات الأرضية إلى استخدام تلسكوب هابل الفضائي»، بحسب ديفيد هالبيرن، مدير مكتب المؤشرات السلوكية بمكتب رئاسة الوزراء البريطانية. لكن كيف تنوي الحكومة الاستفادة من نتائج هذه الدراسة الإحصائية الكبيرة؟ يعتقد هالبيرن أن البيانات ستمكن المواطنين من اتخاذ قرارات حياتية أفضل وتساعد في حشد الدعم لإقرار سياسات اجتماعية أكثر حكمة.

على المستوى الشخصي يمكن للبيانات الإحصائية عن السعادة أن تصحح بعض الأفكار المسبقة الشائعة بين الناس. ويمكن أن تكشف عن أفضل المناطق للعيش السعيد، وما إذا كانت الرحلة اليومية الطويلة من مكان العمل وسط المدينة إلى مكان الإقامة في الضواحي ثمناً مقبولاً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار مزايا العيش في الضواحي وغيرها، الكثير من الأسئلة المتعلقة بصميم نمط حياة المجتمعات الحديثة.

وفيما يتعلق بالسياسات الاجتماعية، ربما تلقي بيانات السعادة الضوء على تأثير البطالة على حياة الناس، وما قد يعنيه ذلك بالنسبة للأشخاص الذين عليهم أن يختاروا ما إذا كانوا سيقبلون العمل في وظائف متواضعة بأجر زهيد لا يكاد يغطي خسائرهم من فقدان التعويضات الاجتماعية الممنوحة للعاطلين عن العمل. كما أنها ستضع على المحك أمراً بديهياً، بالنسبة للكثيرين، طالما عبّر عنه رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، يتمثل في قيمة التلاحم والتراحم بين الناس في الحي الواحد وقيمة العمل التطوعي وحسن الجوار في الأحياء السكنية.

بالطبع فإن تلك الأمور «البديهية» ربما لا تكون دقيقة علمياً أو ربما صحيحة لكنها لا تمثل سوى نسبة صغيرة من الصورة الكبرى. ومن عادة العلم أنه يشق طريقه إلى الحقيقة بصرامة وحيادية تامة لا تراعي أي خط حزبي أو أية أفكار كبيرة تعتنقها أي جهة كانت.

ومن الملاحظ أن الأبحاث في موضوع السعادة والرفاه الاجتماعي تتقدم بوتيرة متسارعة، وهي تتبع مقاربتين عريضتين، تتجسد إحداهما فقط في استبيان السعادة الجديد. لكن كلا المقاربتين تتحديان رؤانا التقليدية عن أنفسنا وربما تغير العديد من المفاهيم السياسية إلى الأبد. ولا تقل عن ذلك أهمية المقاربة الثانية، التي تركز على اللامساواة وتأثيراتها على الصحة والجريمة وطيف عريض من المؤشرات الاجتماعية الأخرى.

وبهذه المناسبة نشرت مجلة «نيوساينتست» العلمية في عددها الأخير ملفاً خاصاً عن السعادة، تضمن مقالة لعالم النفس دانييل جيلبرد، من جامعة هارفرد، كشف فيها عن أخطاء كبيرة مفاجئة في كيفية تقييمنا للأمور التي تمنحنا السعادة، ومقالة أخرى للكاتب والفيلسوف الفرنسي باسكال بروكنر، تحدى فيها فكرة أن السعادة شيء علينا أن نسعى لأجله فيما نفعل.

لكن ما الذي يحدث عندما نجمع كل هذه الآراء والبيانات العلمية؟ أولاً، علينا أن نقرّ بأن الثراء مهم جداً للسعادة، رغم أن المال ليس كل شيء. إذ تظهر الدراسات التي أجراها، دانييل كانمان، الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد، أن معدلات الرفاه النفسي اليومي ترتفع بارتفاع معدل الدخل السنوي وصولاً إلى مستوى ‬75000 دولار بالسنة، وهو المستوى الذي يتمتع به ‬20 بالمئة فقط من المجتمع البريطاني. وثمة مقياس آخر يسمى «تقييم الحياة»، يسجل رأي المرء بحياته، يرتفع هو الآخر مع ارتفاع مستوى الدخل، على الأقل وصولاً إلى حد ‬115000 دولار بالسنة.

أما تأثير اللامساواة فمن المرجح أن يضع الحكومات العازمة على رفع مؤشر السعادة في مجتمعاتها أمام حقيقة غير مريحة. وكما يشرح ريتشارد وليكينسون وكيت بيكت، مؤلفا كتابي «مستوى الروح» (ذي سبيريت ليفل) المثير للجدل، فإنه كلما زادت الفجوة بين الأثرياء والفقراء في المجتمع، كلما انخفض أداؤه في المؤشرات الأساسية مثل متوسط الأعمار، الصحة العامة، ومستويات الجريمة والعنف والأمراض العقلية.

علم اللامساواة

كانت نشأة علم اللامساواة قبل سنوات في إحصائيات الصحة والاقتصاد الدولية، لكنه سرعان ما استحوذ على قاعدة أعرض من الدراسات النفسية والبيوكيميائية. وتشير بعض أقوى الدلائل المتوفرة إلى الآن على هذا الصعيد إلى أن التوتر النفسي الذي يعاني منه أبناء الطبقة الواقعة في أسفل الهرم الاجتماعي لا يقصر أعمارهم فحسب، لكنه يحدث أيضاً تغيرات (ربما تكون مستدامة) في القرن الصدغي للبطين الوحشي للدماغ، مما يؤثر على قدرتهم على التعلم والتذكر والنمو. وتتطابق هذه النتائج مع ما خلص إليه بعض باحثي السعادة، من أمثال كانمان، الذي أثبت أن تدني الدخل يفاقم الألم النفسي المرتبط بالمحن مثل الطلاق والمرض والشعور بالوحدة.