يفترض أن يكون الدماغ معزولاً عن النظام المناعي للجسم، لكن الآن توصل العلماء إلى أن هذه الفرضية قد لا تكون دقيقة على الإطلاق، وأن السعادة والاكتئاب وحتى الأمراض العقلية ربما تنتقل بالعدوى، وربما تنشأ عن أمراض معدية لم يصب بها الإنسان خلال طفولته.
ويقول جون بنينستوك من جامعة مكماستر في هامليتون بكندا «كنا نظن أن المناعي والجهاز العصبي منفصلان كلياً والآن يبدو أن الجهاز المناعي الإصابات الجرثومية التي تحفزه، يمكن أن تؤثر على مزاجنا وذاكرتنا وقدرتنا على التعلم». وبعض المظاهر السلوكية الغريبة مثل الوسواس القهري، ربما تنتج أصلاً عن إصابات جرثومية معدية، ويمكن للجهاز المناعي حتى أن يشكل بعض السمات الأساسية لشخصياتنا، مثل درجة قلقنا وتهورنا. والأخبار السارة هنا هي أن فهم هذه الصلات بين الدماغ والنظام المناعي قد يفضي إلى إيجاد طرق جديدة لعلاج العديد من الاضطرابات الصحية من الاكتئاب إلى متلازمة توريت.
وينطوي هذا التوجه على تحول كبير في التفكير. فمنذ فترة ليست بعيدة، كان يعتقد أن الحاجز الدموي الدماغي ــ الذي يفصل بين الدم الجاري في الشعيرات الدموية الدماغية من جهة وبين السائل الدماغي الشوكي الذي يملأ البطينات الدماغية من جهة أخرى ــ يعزل الدماغ تماماً عن الجهاز المناعي. فالخلايا التي تتشكل منها جدران الأوعية الدموية أكثر تراصاً في الدماغ منها في بقية أنحاء الجسم، مما يمنع دخول البروتينات والخلايا إليالدماغ. لكن يبدو بشكل متزايد الوضوح ان الأجسام المضادة والجزيئات المؤشرة وحتى الخلايا المناعية تتمكن في أحيان كثيرة من العبور إلى الدماغ، متسببة أحياناً بتأثيرات جذرية. لا بل أن الخلايا المناعية لا تحتاج حتى إلى الوصول إلى الدماغ لكي تؤثر فيه.
الجراثيم والاضطرابات السلوكية
ومن أنواع الجراثيم التي قد تسبب اضطرابات سلوكية المكورات العنقودية التي ثبت في عدة حالات موثقة أنها وراء الإصابة باضطراب الوسواس القهري العصابي، الذي يتحول في أحيان كثيرة إلى عارض توريت، ولقد أمكن بالفعل علاج هذا الاضطراب العقلي بإعطاء المريض جرعات قوية من المضادات الحيوية لفترات مطولة تصل إلى أربعة أعوام.
ولقد أثبتت مادلين كاننينغهام من جامعة أوكلاهوما الأميركية ان الأجسام المضادة التي يولدها الجهاز المناعي لمجابهة إحدى سلالات المكورات العنقودية يمكن أن تتحد بالخلايا المستقبلة في منطقة دماغية تتحكم بالحركة، وتقلد تأثيرات الجزيئات المؤشرة الطبيعية محفزة إطلاق ناقل عصبي يدعى دوبامين، وهو ما يفسر المشاكل العاطفية والعضلية التي يعاني منها الأطفال الذين يصابون بإضطراب الوسواس القهري.
وعلى صعيد آخر توصل الباحثون عن طريق الصدفة إلى اكتشاف قد يمهد إلى تطوير حقنة بكتيرية لتحسين المزاج.
كان الهدف الأساسي من التجربة معرفة ما إذا كان حقن عدد من مرضى سرطان الرئة بنوع محدد من البكتيريا يمكن أن يحفز أنظمتهم المناعية لمهاجمة الأورام وتدميرها. ومن المؤسف ان هذا العلاج لم يكن ناجعاً مع الأورام في التجربة الأولى لكن كان له تأثير جانبي غير متوقع، حيث لاحظ الباحثون ان المرضى الذين تلقوا الحقنة البكتيرية الحقيقية تحسنت حالتهم المزاجية بشكل كبير بالمقارنة مع المرضى الذين تلقوا الحقنة الوهمية.
لكن كيف يمكن لجرثومة أن تحسن مزاج شخص ما؟ ليس هناك إلى الآن إجابة مفصلة على هذا السؤال، لكن الدراسات على الحيوانات تشير إلى أن الاستجابة المناعية التي تحدثها جرثومة «إم فاكاي» تحفز الخلايا العصبية في مقدمة الجبهة الدماغية على إفراز كميات كبيرة من هرمون السيروتونين، الذي يحسن الحالة المزاجية عموماً.
آلية غامضة
وفي حين ما زالت آلية حدوث ذلك التأثير غير واضحة تماماً، فإن الاكتشاف بحد ذاته يضيف إلى جملة من الدلائل المتزايدة على أن الجراثيم تؤثر على عقولنا وليس فقط على أجسامنا. حتى أن بعض الباحثين ذهب إلى حد الإشارة إلى أن أحد أسباب ارتفاع مستويات الاكتئاب في الغرب ربما يعزى إلى عدم تعرض الناس هناك في إلى بعض أنواع الكائنات الدقيقة من جرثومة «إم فاكاي» خلال مراحل الطفولة.
