لمسةٌ من القوّة بهيبةٍ لها حضورها، يُغطّي عليهما بعض الغموض الذي يجعل من انتشار النظّارة الشمسيّة ضرورةً أكثر منها رفاهية في المجتمعات الغربية.
ليس هناك الكثير من الروابط التي تجمع ليدي غاغا بآندي وارهول، ولا البقرة الضاحكة على أغلفة علب الجبنة بالشخصيات الكرتونيّة الشهيرة في مجتمعنا. إلا أنّ فانيسا براون، المُحاضرة الأولى في جامعة نوتينغهام في مواد التصميم والحضارة البصريّة، قامت بتحليل كلّ هذه الشخصيّات، كجزءٍ من نظريّة «الجاذبيّة» التي تفرضها النظارات الشمسيّة، بعيدا عن السبب الأساسيّ في ابتكارها، ألا وهو وقاية أعيننا من أشعّة الشمس.
بدأت حكاية بحث براون في يومٍ صيفيّ، كانت تعمل ضمنه على إعادة ترتيب منزلها، وقامت بطلاء الجدران بنفسها، وأثناء خروجها لشراء بعض الحاجيّات، توقّفت عند متجر غذائيّ، ونزلت من السيّارة بسروالها الكتّان المهترئ، والسترة القطنية القديمة. قبل نزولها من سيّارتها، اخذت فانيسا نظّارتها الشمسيّة من حقيبتها.
ولبستها، وعند الاقتراب من واجهة المتجر، تفاجأت بانعكاس صورتها على الزجاج، ووجدت أنّها على الرغم من تعاسة الملابس التي كانت ترتديها، إلا أنّها بدت جذّابة، والفضل كلّه يعود للنظّارات الشمسيّة.
«لم أكن أعرف إذا كنت جذّابة أم لا، ولكن لفت نظري حينها أنّ إضافة قطعة إكسسوار بسيطة أمكنها أن تحوّل شكلي تماما. أو أن تغيّر قبولي لهيئتي على الأقل»، تقول براون.
من المعروف عن فانيسا انتباهها إلى الأمور المهملة في الحياة، والبحث حول تأثيرها الاجتماعيّ على قيمنا الحضاريّة. ففي السابق، قامت بتجهيزٍ بحثٍ كامل حول الأواني المطبخيّة وفكرة سيّدة المنزل، وعليه كان لا بدّ للنظارات الشمسيّة أن تشكّل موضوعا دسما تشغل به فانيسا نفسها خلال الأيام المقبلة.
خطوات البحث
بالتعاون مع جمعيّة البصريين البريطانيين والقائم على المتحف الخاص بهم في مدينة لندن، بدأت براون بحثها في تقصّي رمزيّة النظارات الشمسيّة خلال الآلاف من الصور، والأفلام الدعائيّة، وصور الأزياء والمجلّات المختصّة بصناعة النظّارات، إلا جانب بعض الأفلام الوثائقيّة.
وتٌعلّق براون على بحث الصور هذا «وجدت في أغلب زوايا بحوثي أنّ النظّارات الشمسيّة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بعامل القوّة والفتنة المرتبطان بعالم التكنولوجيا الجديدة، التحكّم والشعور؛ التحكّم بجسم الإنسان والتحكّم بطريقة تفاعله مع الآخرين».
الخطوة الثانية في بحث فانيسا كانت إيجاد وتحليل الرابط بين النظّارات الشمسيّة، والمفهوم الأوسع للظهور بشكلٍ جذّاب. وتشرح براون، التي تبلغ من العمر 40 عامًا هذه الصلةً: «تُعتبر النظارات الشمسيّة أنيقة لأنّها ترمز إلى الجاذبيّة التي لطالما استخدمت للدعاية لأيّ شيء».
وهذا واضحٌ في مجتمعنا مع الابقار التي ترتدي النظّارات الشمسيّة حتّى على عُلب منتجات الألبان. وتُضيف براون: «يرى بعض الباحثين أنّ الجاذبيّة وصلت إلى أعلى مراتب القيم في المجتمع الغربيّ. وهذه النقلة تطرح إشارات استفهام عديدة ومقلقة، يُمكن أن تصل إلى درجة التأثير على المجتمع حيث لا يهتمّ الأشخاص الجذّابون إلى أولئك المحيطين بهم، ويُمكن أن يُبادروا إلى خرق الأعراف والقوانين، أو يقللّو من الحترام السلطات، ويركّزوا فقط على شيءٍ واحد، ألا وهو جاذبيّتهم».
وفي الوقت ذاته، لا تُبدي براون في بحثها أيّ قلق من جاذبيّة الأبطال، أشرارا كانوا أم أخيارا، في حال ارتدوا النظارات الشمسيّة. فالنظارات لديهم هي جزءُ مهم من تشكيل شخصيّاتهم، «القوّة التي تمكّنهم من الوقوف في وجه القوى المسيطرة». وتشرح فانيسا هذه النقطة:
«يرجع هذا العامل إلى تجربة لا بدّ أنّ أغلبنا مرّ بها في السابق، ألا وهي الشعور بالغربة عن الحياة الطبيعيّة والعمل البعضنا البعض، بالأحرى نبحث عن أسلوبٍ نحلّ به مشاكلنا الماليّة والصحيّة والبيئيّة أيضا، ونواجه خيارات كثيرة تحدّد هويّاتنا. ومع وضع النظارات الشمسيّة على الأعين، نبدو وكأنّنا تمكّنا من فصل أنفسنا عن الفوضى، إمّا ألا نآبه بها أو أن نتجاوزها تمامًا، ونبتعد عن هرج ومرج عالم الموضة والأزياء».
«النظارات الشمسيّة، تُغطّي أكثر أجزاء جسمنا تعبيرًا عمّا في داخلنا، وباعتمادها على التصميم الصقيل، والسطوح الواضحة، تُعطي إحساسا كبيرا لدى من يتحدّث معنا بانّ ما نقوم به ناتجٌ عن ثقتنا الكبيرة بالنفس، وسلوكٌ هادئ وتلقائيّ». تقول براون أن بحثها رسم صورةً لاستخدام النظارات الشمسيّة على أغلفة أقراص «دي في دي»، وفي الفيديوهات المسجّلة للأغاني والملصقات الإعلانيّة للأزياء والموضة، وعليه وجدت:
«آلاف الأمثلة على استخدام النظّارات الشمسيّة في الحضارة البصريّة على أنّها وسيلةٌ دعمٍ للرسالة الإعلانيّة أو الإعلاميّة».
«وبشكل متزايد، تعمل الصور التي تظهر بها عيونٌ مغطّاةٌ بنظّارات شمسيّة في الإعلانات لأنّها تطرح لفكرة القوّة والجاذبيّة لدةى من يستخدم منتجًا ما. أي انّها أضحت نسخة بصريّة جديدة تخلق نوعًا من الغموض والثقة بالنفس، إلى جانب لفت الأضواء والأنظار».
في عالم المشاهير
ترى براون بأنّ ليدي غاغا ترتدي النظارات الشمسيّة كي تظهر للناس شخصيّتها المتقلّبة. وتُؤّكد غاغا على معجبيها ارتداء النظارات الشمسيّة حتّى في ألعابهم الإلكترونيّة، حيث لا توجد الشمس على الإطلاق. وتشرح براون هذه النقطة: «يبحث هؤلاء عن شخصيّتهم الكاملة حتّى في العالم الافتراضيّ، وعبر هذه النظارة الشمسيّة يُحاولون إخفاء حقيقتهم، وفي بحثي وضّحت من عدّة زوايا المنظورات العديدة للحياة الحديثة والتي يُممن أن تخضع للكثير من التأويلات».
ومن الشخصيّات الشهيرة أيضًا التي استرعت انتباه براون، مغنّي الجاز مايلز ديفز، «الذي قرّر أن يرتدي النظّارات الشمسيّة كي لا يكون هناك اي تواصل عبر العينين بينه وبين دعاة التمييز العنصري». إلى جانب آندي وارهول، الذي يرتدي نظّارته أيضًا «للابتعاد عن العالم الحقيقي».
أمّا بالنسبة لأيقونة الأناقة العالميّة، آنا وينتور، رئيسة تحرير مجلّة «فوغ» ، التي ترتدي النظّارات الشمسيّة في كلّ الأوقات، فهي تستخدمها، حسب رأي فانيسا، لتُظهر نوعًا من عدم الاحترام للآخرين، وكي تؤكّد على عدم اكتراثها بعارضات الأزياء الساحرات اللواتي تخطين على المنصّات العالميّة.
وتُضيف براون «تعمل النظارات الشمسيّة على عكس الإضاءة، وعليه تقوم بتوزيعها إلى أطراف أخرى. وهذا النور يعكس نجاح وتميّز الشخص المشهور، عن طريق الرمز إلى نور آلات التصوير، أو إنارة الاستديوهات، أو أشعّة الشمس خلال أيّام العطلات الصيفيّة في الوجهات الفارهة».
