خطوطٌ شرقيّة حملتها العباءة السوداء، معطّرةٌ بأنفاسٍ ودخونٍ عربيّةٍ أصيلة، تحمل بين طيّاتها لمسةً عصريّة تمّ إبداعها عبر خلق التناغم بين التطريز التقليديّ من فلسطين، وحبكة الكروشيه من الصّين، وتألّق الكريستال البوهيميّ. من العاصمة الكويتيّة، عبر العديد من العواصم الخليجيّة وصولاً إلى إمارة دبيّ، خطوط منتهى العجيل، تسطر منحى جديداً في عالم تصميم العباءة.
تولّد حبّ التصميم لدى منتهى منذ الصغر، حيث تقول: «لطالما كنت أغيّر بعض التفاصيل في العباءات التي أشتريها لنفسي، إلا أن التصميم أخذ منحاه الجدّي لديّ منذ تسع سنواتٍ فقط، عندما قمت بافتتاح بوتيك «العباءة الشرقية» في الكويت. في ذلك الوقت، كنت أعمل بصندوق التنمية الاقتصاديّة في الكويت، إلا أنّني لم أجد طموحي في ذلك المجال، فكان عملي روتينياً جداُ بالنسبة لي. وفي الوقت ذاته، كنت أبحث في السوق الكويتي عن عباءات مميّزة أشتريها لنفسي، وفي الحقيقة لم أكن قادرة على إيجاد ما يتناسب وذوقي. فبدأت بتصميم عباءاتي الخاصّة التي أرتديها».
مع الخطوات الأولى في مجال التصميم، كانت منتهى تقوم باستخدام خامات متعدّدة لعباءاتها، حيث كانت تُضيف أقمشة الـ«جيبير» والـ«دانتيل»، وفي بعض الأحيان الجينز والدانتيل. ومع هذا التنوّع ، بدأت منتهى تشعر بالرغبة في نفسها لارتداء العباءة في الأماكن العامّة، وبالتالي استوقفتها الكثير من النساء لسؤالها عن المصدر الذي كانت تختار منه عباءاتها.
تؤثّر طبيعة المكان الذي يقضي المصمّم فيه وقته كثيرًا مزاج المصمّم، ولهذا السبب تنصح منتهى العاملين في مجال التصميم الإبداعيّ أن يتحوّلوا بمنازلهم إلى البيئة التي يتمنّون أن يعيشوا بها. فهي شخصيًّا قامت باستخدام أوراق الجدران للألوان التي تُحبّها، ووضعت في المنزل حوض أسماكٍ كبير ليبعث الطاقة الإيجابيّة في المنزل.
ويُذكّرها بالبيئة البحريّة التي تحبّها. وتُضيف منتهى: «إلى جانب العمل الذي أقوم به، لا أنسى دوري كامرأة، فالمطبخ بالنسبة لي لا يزال مملكتي الخاصّة، وقد قمت بتصميمه بنفسي لأنّني أقضي الكثير من الوقت فيه. ومن الأشياء المميّزة في المنزل، أذكر أنّ أكبر الجدران في المطبخ لديّ عليه علامى كبيرة هي «بوتيك ب م ر» الحروف الأوليّة من أسمائي وأولادي وزوجي، لأنّه المكان الذي نقضي به أكثر الأوقات مجتمعين».
ولم تقف منتهى عند هذا الحدّ من الإبداع، حيث تقول: «عندما بدأت أرى الإعجاب في أعين الفتيات اللواتي استوقفنني للتساؤل عن عباءاتي، انطلقت في ابتكار أفكارٍ جديدةٍ لم تكن موجودةً في ذلك الوقت. إذ كنت من أوّل الأشخاص الذين أضافوا قماش «كروشيه» على العباءة، كما وظّفت التخريم لإضفاء لمسة من الرقيّ على الكثير من قطعي، بالإضافة إلى السدو والكريستال وغير ذلك ممّا شكّل نقلةً جريئة في تصميم العباية».
تزامن افتتاح أوّل بوتيك لمنتهى، «العباءة الشرقيّة»، مع عرض أوّل مجموعة تضمّنت إدخال عناصر غريبة على التصاميم آنذلك بالنسبة للكويت. وقد شهدت تلك المجموعة قبولاً عاماً، ما أعطى لمنتهى الفرصة كي تنطلق بتصميماتها إلى حدودٍ أبعد، حيث أدركت أن للعباءة التقليديّة جمالها، إلا أنّ العباءة الحديثة فيها سحرٌ مميّز.
وتتحدّث العجيل عن أثر التغيير في العباءة قائلةً: «العباءة التقليديّة مصنوعةٌ من قماش أسود فقط، لا تحتوي أي إدخالات وقصّتها واحدة في كلّ الأحيان. ولذا كان إدخال الأفكار الجديدة ضروريّا كي نُحببّ الأجيال الجديدة بالعباءة كمفهوم من جهة، وكي نبتعد عن الروتين والتماثٌل القويّ من جهةٍ أُخرى». وتُضيف منتهى حول اختيارها إضافاتٍ مثل السدو، التطريز الفلسطيني، والكروشيه قائلةً:
«لطالما كان لديّ شغفٌ بالخطوط التراثيّة، وخصوصاً ما لا يُمكن تقييده منها بزمٍن معيّن أو موضة معيّنة، عبر إضافة تغييرات بسيطة»، فالسدو على سبيل المثال يقتصر على اللون الأحمر، وكجانبٍ من التغيير، أضفت ألوانا جديدة كالأصفر والوردي والأزرق المطرّز بأحجار كريستال سواروفسكي، وكل هذه التغييرات شهدت ردود فعل مميّزة.
تؤكّد منتهى أن التوفيق بين مهامها كأمّ ومهامها كسيّدة عاملة لم يكن يومًا مهمّةً مستحيلةً بالنسبة لها، فقبل افتتاح أوّل بوتيك لها منذ تسع سنوات، كان أولادها قد كبروا وأصبحوا قادرين على الاعتماد على نفسهم. وعلى الرغم من ذلك، تقول منتهى:
«لم أُفضّل يومًا عملي على أولادي، فلطالما كنت إلى جانبهم في الوقت الذي احتاجوني فيه. ولغاية الآن، أعتني بهم عنايةً مباشرة، فأرافقهم إلى أيّ مكان يريدون الذهاب إليه، نُسافر دائماً إلى مختلف انحاء العالم. وأشعر أنّ في تنظيم الوقت بركة تتيح لأيٍّ كان أن يتمكّن من فعل ما يريده، فاثنين من بناتي يدرسون في الولايات المتّحدة وآيريلندا، وابنتي وابني يدرسان في الكويت، وأنا أنظّم وقتي بينهم كلّهم، وتواجد إلى جانبهم في أيّ وقت يحتاجونه».
لم تشتهر تصاميم منتهى في دولة الكويت فقط، حيث اتّسعت شهرتها لتصل إلى مختلف مواطني دول الخليج الذين كانوا يقصدون الكويت خلال مهرجان هلا فبراير للتسوّق، وأصبح متجر العباءة الشرقيّة بالنسبة لهم وُجهةً ضروريةً لا بد من قصدها.
ومع النجاح المتنامي والانتشار الواسع لتصاميمها، إلى جانب الشهرة العالميّة التي شهدتها العباءة العربيّة، انطلاقاً من احتضانها في عروضٍ خاصّة من عاصمة الموضة العربيّة دبي، وصولاً إلى تخصيص أحداث تعمل على نشر ثقافة العباءة على هامش عروض الأزياء في عواصم الموضة العالميّة، كان لا بدّ لمنتهى من التوسّع في عملها. ولهذا السبب اختارت أن تكون جزءاً من تظاهرة الموضة المميّزة في الشرق الأوسط، والتي نشهدها خلال أسبوع دبي للموضة.
مع بداية هذا العام، قامت منتهى بافتتاح البوتيك الثاني في الكويت ضمن مركز «أفينيو» التجاري الأكبر من نوعه في الكويت، والذي يتضمّن فقط متاجر لأكبر الماركات العالميّة. وتقول منتهى في هذا الخصوص: «إلى جانب أكبر العلامات التجاريّة في هذا المركز، قرّرت أن أفتتح بوتيكًا مميّزاً أعرض به تصاميمي.
وقيل لي في ذلك الوقت إنّ خطوتي تلك جريئة، إلا أنّني لا أرى أيّ مُشكلة في ذلك، فعندي إيمانٌ بأنّني قادرةٌ على منافسة هذه العلامات عبر طرح مجموعة متميّزة من فساتين السهرة والجلابيات والملابس الجاهزة. هذا بالإضافة إلى إصراري على المُشاركة في عروض أسبوع دبي للموضة هذا العام، حيث سيتمّ عرض خطٍّ جديد سيشكّل نقلةً استثنائيّة في تصميم العباءة، وذلك في العشرين من شهر أبريل الجاري.
يتجاوز إبداع منتهى عالم تصميم العباءات والأزياء، حيث أنّها سيّدة منزلٍ وأمّ قبل أن تكون مصمّمة، وعليه قامت بنفسها برسم تصميم منزلها الذي تعيش فيه مع زوجها وأولادها بالعاصمة الكويتيّة. إلى جانب كلّ ما يتعلّق ببوتيكها الجديد «منتهى كوتور» الذي تفخر بأنّ كلّ من يزوره يُثني على تصميمه الداخلي، حتّى قبل أن ينطلق في عالمٍ من الخيال مع الخطوط الاستثنائيّة التي تحملها عباءاتها.
