شهدت العباءة الإماراتية تطوراً مدهشاً منذ خمسينات القرن الماضي وحتى يومنا هذا، والكثيرات يعتبرن العباءة هوية وطنية تمثل المرأة بحشمتها ووقارها والتي لا يجوز المساس بخصوصيتها، في حين أن نظرة عن قرب للتغييرات التي طرأت على العباءة كفيلة بأن ترصد التفاصيل الدخيلة التي شهدتها جراء احتكاكها بالثقافات الأخرى من جهة، وتغيّر إيقاع الحياة من جهة أخرى ومن هنا اختارت المصممة مريام سلمان صاحبة دار (راروتشى) تصميم العباءات لارتباطها بمفهوم الأصالة والحشمة والوقار، التي حاولت المحافظة عليها في كل تصميم ابتكرته؛ فظهرت أغلب عباءاتها مصممة وفق الطراز التقليدي القديم أو البدوي، الذي تسميه المصممات المعياري (ستاندرد)، وهو ذاك الشكل المستقيم، الذي تبدو فيه العباءة بسيطة وعملية إلى أبعد الحدود.
وفى السياق تؤكد المصممة مريام سلمان أن العباءة هوية وزي وطني خاص بالمرأة الإماراتية، لذا سعت بدورها إلى إيجاد هوية خاصة بالإماراتيات من خلال تصميمات تتناسب وذائقتهن دون إغفال مراعاة التقاليد والحشمة، ومن جانب آخر أن العباءة العصرية أصبحت اليوم أكثر تلاؤماً مع إيقاع الحياة التي أثبتت أنها الأكثر إرضاءً، وأصبح الإقبال على ارتداء العباءة الإماراتية كبيراً من جميع الفئات والجنسيات. وأسهم ذلك في تهافت التجار ومصممي الأزياء على افتتاح مشاغل تفصيل العباءات والسعي إلى الابتكار في تصاميمها في محاولة لجذب مختلف الأذواق وبأسعار مغرية مقارنة بما هو متداول في السوق.
وترجع مريام هذا التنوع الكبير الذي طرأ على العباءة اليوم إلى تزايد فرص دراسة الموضة وإتقانها عما كانت عليه في السابق. وعلقت قائلة: «الكثير من محبي الموضة اليوم لديهم الفرصة لدراستها كعلم، وبالتالي يطبقون دراستهم على الأقمشة والقصات ويصبح بإمكانهم ابتكار تصاميم خاصة بهم لم تكن موجودة من قبل، وذلك لامتلاكهن الخلفية الصحيحة. في الماضي كانت الابتكارات تقتصر على إدخال الكريستال أو التطريز، أما اليوم فالجميع يحاولون تصميم العباءة التي تعبر عنهم».
تصاميم محدودة
وحول ارتفاع أسعار العباءات ذات التصاميم المحدودة أو تصميم قطعة واحدة لا يمكن تكرارها ترى مريام أن المرأة الإماراتية بطبيعتها تحب الأناقة وتبحث دائماً عما هو مميز. وذلك يتطلب استخدام خامات راقية فنحن على عكس المحلات التجارية، في حين أن المحلات التجارية تلجأ إلى النوعية الأقل جودة، ويبقى الفرق واضحاً، وكذلك التصميمات التي تتطلب منا استخدام اكسسوارات ذات جودة عالية، كما تزين بعض التصاميم بأحدث أنواع التطريز الملون، وكل ذلك مكلف.
تميز حصري
وتضيف مريام سلمان: أرى أن أسعار عباءاتي (راروتشى) مقارب لما هو متداول في السوق، ولكن ربحي أقل، لأني أتعامل مع الخياطين بالقطعة، وترى أن المحلات المتخصصة في تفصيل العباءات لم تتطور وظلت تصاميمها تقليدية وغير مبتكرة، وذلك ساهم بطريقة مباشرة في ظهور مصممات إماراتيات متخصصات في تصميم العباءات، ويتراوح سعر العباءة لديها بين 1500 و4000 درهم، وتتنوع تصاميمها من العباءة العملية إلى عباءة السهرات وهي الأغلى ثمناً، وأكدت أيضاً أن العباءة أصبحت أولوية في حياة المرأة، لذا فزبوناتها يخصصن ميزانية معينة لتفصيل العباءات بصورة شهرية، هناك لبس في موضوع ارتفاع أسعار العباءات، كما أعتقد أن بعض الفتيات يلجأن إلى اقتناء عباءات من المحلات الكبيرة فقط لأنها غالية وسعياً للتباهي بشهرة المحل واسمه، وهناك فئة أخرى تلجأ إلى العباءات الغالية لحرصها على رقي الخياطة واستخدم تصاميم ذات جودة عالية وعدم تداول تصاميم العباءة بشكل كبير بين قريناتهن، وأنا شخصياً أصرف كثيراً على الاكسسوارات المستخدمة في عباءاتي، وأحرص على أن تكون عملية وتبقى لفترة طويلة، وكل ذلك يتطلب خامات غالية الثمن.
تصاميم مبتكرة
وعن ما يميز تصميماتها المبتكرة عن ما هو مطروح تقول مريام: بلا شك أن من يعمل في صناعة الأزياء تتاح له فرصة رصد التغيير الذي يطرأ على توجهات النساء، قائلة: أعمل في هذا المجال منذ عدة سنوات، وقد لاحظت أن ذوق المرأة الخليجية قد تغير، فأصبحت أكثر جرأة في اختيار الألوان والموديلات، كما أنها أصبحت أكثر إقبالاً وتشجيعاً لصناعة الأزياء المحلية واقتناعاً بالمصممة الإماراتية وقدرتها على محاكاة الإنتاج العالمي مع تفهم متطلبات المرأة الخليجية، لذا تتميز تصاميم (راروتشى) بالقصات المتنوعة والمختلفة عن التصاميم الأخرى والدمج الذي أعتمده بين الألوان، والمغامرة في استخدامي بعض الأقمشة مثل القطن والمخمل، كما أن تصميماتي تناسب المرأة النحيلة وأيضاً ممتلئة القوام، وفيما يتعلق بالعباءة اليومية، أركز فيها على دمج الأقمشة مع قماش العباءة الأساسي الأسود الذي قد يكون من القطن الذي يشعر المرأة بالبرودة أو السترتش الذي تعشقه الفتيات وذلك بطريقة حيوية أنثوية، وهناك شكل آخر للعباءة اليومية تكون مغلقة بأكملها مع فتحات في أسفلها تساعد الفتيات على ارتداء بنطلونات ليكرا لامعة تعطي منظراً جميلاً مع العباءة، كما أنني أضفت بعض الحركات على الصدر، مثل تموجات وزخارف من الأقمشة نفسها، بالإضافة إلى ما يعرف بالكشكشة والورود والربطات المختلفة، مستخدمة أقمشة شيفون ودانتيل وحرير عالية الجودة، كما أحاول استخدام مختلف التقنيات الحديثة في الشك والتطريز وفن توزيع الكريستال والاكسسوارات، بحيث لا تطغى على موديل العباءة وشكلها.
الحياة البدوية
تقول انها تسمي كل عباءة من دار (راروتشى) تصممها باسم مرتبط بالحياة البدوية، مثل عباءة فرس فرس، ليالي، خيمة العرب، النقاب، وذلك لأنها ترغب في تذكير من تشتري عباءاتها بالتقاليد العربية الأصيلة وموروثها.
عن السر وراء التغيير في ذوق السيدات وإقبالهن على الموضة المبتكرة فى تصميم العباءات، تؤكد مريام ان للإعلام دوراً كبيراً في ذلك، فعن طريقه بدأت المرأة الإماراتية تتعرف على المصممات الإماراتيات اللواتي اكتسبن الثقة والتشجيع والدعم عندما أتيحت لهن فرصة تقديم أعمالهن على نطاق أوسع وفي ظل منافسة تدفع العاملات في هذا المجال إلى تقديم الأفضل، و«لولا الأحلام والخيال لما تطور الإبداع الإنساني، وفي كل شخصية خفايا يظهرها عندما يحين وقتها». ومن خلال تصاميمي لم يغب الحلم، لكنه كان مؤجلاً.
وفي ردها عن دخول المصمم العربي إلى العالمية عبر العروض والتعامل مع المشاهير تقول ميريام: إن المصمم العربي ذكي وصاحب ذوق وإحساس في التصميم، لكنه يحتاج إلى دعم إعلامي ليتمكن من الوصول إلى العالمية من مكانه، والعالمية لا تعني العروض في أوروبا وأميركا بل أن يصل عمل وفن المبدع العربي إلى العالم ولدينا الكثير من الشواهد على هذا الأمر في العالم من مصممين لبنانيين وخليجيين وعرب.
انتقادات
وعن الانتقادات التي توجه إلى العباءات اليوم من ناحية أنها تلفت الأنظار بشكلٍ كبير وتبتعد عن المفهوم التقليدي تقول: «عندما أذهب إلى التسوق مثلاً لا أرتدي عباءات (راروتشى) المخصصة للسهرة لأنها تلفت النظر إلى شكل الجسم. بل أرتدي عباءة بسيطة. ممكن أن يدخل لها لون زاهٍ مع الأسود لكن القصة تكون واسعة ولا تبرز تفاصيل الجسم. لكن هناك أيضاً بعض المناسبات الراقية كمهرجانات السينما أو سباقات الخيول، حيث من الضروري أن ترتدي السيدة عباءة مميزة ومختلفة.
وأضافت ميريام في هذا النطاق أن هناك العباءات الفاخرة والستايلش ذات الأقمشة الشفافة والقصات المميزة والتي تكون مخصصة عادة للمناسبات الخاصة أو الأعراس أو الحفلات النسائية الحصرية، كما أن للعباءة اليوم دوراً كبيراً جديداً يزيد على تغطية الجسد فحسب. فهي اليوم أيضاً دليل على مدى أناقة السيدة وعلى مكانتها الاجتماعية أيضاً. وتضيف قائلة: «يحوي النسيج الاجتماعي في منطقتنا أشخاصاً ذوي عقول متفتحة وآخرين ذوي أفكار تقليدية ومنغلقة. بعضهم يقول نعم للعباءة الحديثة والبعض يقول لا.
تمرد
«أستمد جرأتي في التصميم من خطوط الموضة التي تعبر عن روح الفن والتمرد، وأنا أعرف أن التصميم الجريء في العباءة في مجتمعي لا يمكن تقبله بسهولة، لذا فإن من يقرر خوض مجال التصميم عليه أن لا يخاف وأن يقدم ما يراه معبراً ومميزاً.
خامات
استلهام التراث في الأشكال والأفكار التي من شأنها تطوير العباءة الخليجية التي تلتزم بالتقاليد وتبرز جماليات هذا الزي المحتشم من خلال خامات متعددة أهمها أقمشة وكريب الحرير وكريب جورجيه والحرير الخالص.
تمازج
أعشق التصميم على الأقمشة التي تمزج بين الحرير والساتان والحرير مع الشيفون، مع استخدام من الألوان الأخضر الفاتح والبرتقالي والوردي، والجديد في هذه التصميمات أنها مخصصة لكل المناسبات.
