مفاجآت وأسرار باحت بها دور الأزياء في خروجها عن المألوف في مختلف فترات العرض التي شهدها أسبوع باريس للازياء ، سواء من حيث الشكل أو طريقة العرض، ولعل الطابع التقليدي الذي تميز بالبساطة والقوة وتخللته في بعض الأحيان اللمسة الغريبة ، كان إيذانا لإشارة قوية بعثت بها أغلب الدور لاسيما في طلّة أيامه الأولى ، فيما باتت هذه المفردات كفيلة بصناعة الأناقة الحديثة التي عادت لتمد عنقها من جديد منذ سبعينات القرن الماضي.

مناهضة الشيخوخة

المفاجأة التي كانت العلامة الفارقة لعروض أزياء باريس كانت عند اقتحام الممثلة الكوميدية الفرنسية المعروفة فاليريه لومبارسيه عندما أرادت رفع شعار «مكافحة التمييز ضد كبار السن» فأرادت أن تقول «مكافحة التمييز ضد كبار السن لا يعني أننا نرد أن نكون مثل بناتنا ذوات العشرين عاما» ليصبح العنوان الأبرز لتلك الطلَّة المشرقة بالتنانير الطويلة السوداء ذات الشعر المنفوش الذي جمع بين الجمال والغرابة ، فقداستطاعت من خلال هذه الإطلالة أن تظهر بمظهر الفتاة الساحرة التي تتمايل بمشيتها أمام الحضور.

فقد كان للمصمم جون بول غولتييه لمسته المتميزة من خلال الشعر المستعار ذي اللون الرمادي ، حيث حرص أ لا يبرز جسد المرأة، فقد جعلها في قالب يضخ بالأشياء المتلألئة التي تخترق العين في محيط أسود وهو الأمر الذي دأب عليه كل من نيكول ريشي وكانييه واست وآربال دومباسل ، فقد حاولوا أن يظهروا عروضهم على الجانب الجميل بمواد متلألئة على أنغام الظلام.

غاب المصمم وحضر الإبداع

كان لغياب المصمم العالمي جون غاليانو الذي فصل من «ديور» (لاتهامه بمعاداة السامية وحبه لهتلر) الأثر الواضح في عروض باريس بعد تأكد عدم حضوره إلا أن أزياءه حضرت ولكن بشكل عابر اكتفى فريقه بعرض 19 قطعة فقط أي نصف ما تعوَّدنا عليه في العروض السابقة، ورغم هذه الظروف التي اكتنفت ما قبل العرض فإن الأزياء كانت أنيقة جدا بما في ذلك الماكياج وتسريحات الشعر، فقد كانت الأجواء السائدة فضولا ممزوجا بالتحدي لتأتي ثمرة تصميم فريقه على إبراز الجانب الإبداعي في أجواء باروكية فقد تمايلت العارضات في أزياء رومانسية وفساتين ملفوفة على الجسم بطريقة مستوحاة من الكيمينو الياباني وأخرى من الدانتيل والحرير والسيفون الشفاف، وتميز العرض بالقطع المناسباتية من معاطف واسعة وفساتين بتنورات قصيرة تتضمن تفاصيل غريبة يتميز بها المصمم المغضوب عليه.

بين البساطة والقوة

بعد انتظار طويل لمفاجآت كارل لاغرفييلد في هذا الموسم الباريسي المتميز خرجت علينا مجموعة «شانيل» لتؤكد مبدأ البساطة والواقعية اللذان يشكلان الأناقة في الوقت الحالي، ففي قاعة «لوغران باليه» الزجاجية أثبت لاغرفيليد أن مخرج بارع من خلال طلائه الجدران باللون الأسود في حين تم نثر قطع حجرية سوداء في أرضية تتوسطها منصة من خشب يخرج من جوانبها دخان ليوحي بأن ثمة بركانا سينفجر في أي لحظة ولكن كل ما في الأمر أن اللون الأسود كان هو المهيمن على العروض التي لم تكن فيها المرأة حالمة أو رومانسية بل قوية وثابتة في واقع الأرض بأقمشتها الصوفية وتصاميمها الأقرب إلى الرجالي، تشكيلة تخاطب امرأة عصرية تنتقل مثل النحلة بمسؤولياتها المتعددة ومن مناسبات النهار إل المساء بسهولة فمثلا نجد خلال هذه العروض عارضة ترتدي تايورا أسود فرقه جاكيتا ثانيا خفيفاً يلمع بالخرز والترتر لامرأة ليس لديها الوقت الكافي لتغيير ملابسها بعد أن تتلقى دعوة عشاء مفاجئة، ما غاب عن العرض كذلك النعومة حيث اللمسة الذكرية كانت واضحة من خلال تايورات ببنطلونات واسعة مثنية ببعضها ليظهر حذاء عملي ومريح دون كعب وتارة في أحذي شبه عسكرية.

عروضه طغى عليها اللونان الأبيض والأسود بتلك الإطلالة الساحرة من عارضات الأزياء اللاتي حملن جديد هوغان الذي كان مميزا بطابعه التقليدي الجذاب الذي سحر الأعين حتى أن الجماهير التي تواجدت لم تقف عن التصفيق خلال مرور كل عارضة ،وقد ظهرت في تلك الليلة نجومية اليسا سدناوي واورالتو ولو ديون فكانت بحق إطلالة متميزة في قاعة متميزة.

امتزاج

الجلود والمعادن والأشياء السميكة كانت أهم مميزات المجموعة الجديدة للملابس الجاهزة التي تميزت بها مجموعة باربارا بويه في خريف وشتاء 2011-2012 حيث بقيت باربارا مخلصة للخطوط التي سارت عليها منذ بداية تصميمها في الدار، حيث تميزت بالألبسة الصخرية والعسكرية التي تمزج بين الحياة الريفية والتكنلوجية فائقة الدقة، هذا المزج يترجم الطابع الأدبي الذي تأثرت به باربارا. فقد تميزت مجموعتها بالسراويل الضيقة المطرزة ذات الألوان الفضية والمعاطف المبطنة الكبيرة ذات الرسومات الجانبية على شكل حلقات، كما تميزت بالحواشي الصوفية منها صوف الماعز البري والألبسة الحريرية ذات انسيابية ساحرة.

لانفان وشجرة الصفصاف

استمرارا للحالات الاستثنائية التي شهدتها عروض خريف شتاء هذا العام في واحدة من أفضل الأوقات التي شهدتها العروض مجموعة لانفان والتي كانت بأسعار معقولة، ففي هذه المجموعة كان ألبير إلباز على موعد مع العروض التي ينتظرها الكثيرون، فقد كانت الأزياء أكثر إثارة من خلال فساتين السهرة الخردلية الممزوجة بالصوف أحيانا والحرير مرة أخرى، حيث كان يلعب على مبدأ الأحجام المختلفة في امتزاج مثير للألوان فقد اقترح قصيدة فريدة من الأنوثة على وقع الحداثة دون الوقوع في مطبات التباين من فصل إلى فصل، حيث كانت مجموعته لا تقاوم بفضل الأزياء التي لاءمت جميع الأذواق، فقد ارتأى أن تكون مجموعته على خلفية شجر صفصاف في الخيمة المنصوبة في حدائق«التويلريز» في إشارة أنه زرع جذوره ولن يغادرها إلى «ديور» بعد أن تم فصل جون غاليانو من الدار بسبب معاداته للسامية عند تعنيفه ليهوديين بفرنسا.

فبفضل الإضاءة الذكية التي كانت تجسد كل فصول السنة عبر تموجات تجعل الناظر إلى تلك المجموعة يعيش تلك الفصول بكل مشاعره تجلت مجموعة إلباز، فالأزياء السوداء والقبعات الضخمة كانت تعكس خلفية الأغصان اليابسة التي أراد المصمم أن يجعل مواءمة بين المحيط والمجموعة لتظهر المرأة بعد ذلك في كامل تألقها وأنوثتها من خلال الاكسسوارات الملفوفة على العنق وتايورات والأحذية المريحة وهو ما عبر عنه إلبيز عندما قال: «شجرة الصفصاف تعني المشاعر الأنوثة وواحة من الراحة، أردت أن أبدأ بشيء واضح وبسيط، ثلاث قطع مكونة من معاطف وتايورات في عودة واضحة إلى الأناقة الكلاسيكية».

درس تفصيلي

أما العرض الذي قدمه داي فوجيوارا فقد كان لافتا من حيث الشكل وطريقة العرض ، فبدايته كانت عن درس تفصيلي لما يحدث في الكواليس من تصاميم وهذا بأن بدأت الفتيات اللائي يعملن معه بطي الورق أمام أعين الناس بأشكال تفتحت أمام أعين الناس بأشكال تفتحت على معطف له ذيل وفستان وتنورة ومعطف لتظهر العارضات بعد ذلك في قطع بالتصاميم نفسها لكن من قماش وكأنه درس تفصيلي مفتوح أراد من خلاله تعميم الفائدة على الحضور في لفته هي الأولى من نوعها في مثل هذه المناسبات، وهي الخطة التي انتهجها لتكوين جيل موهوب من المصممين ليثبت أنه نجح في هذا الاختبار الذي اعتمد على السهولة.