يبدو أن مصمّمي الأزياء اللبنانيين مصمّمون على الريادة في هذه المهنة التي تستقطب جيلاً بعد جيل، عدداً كبيراً من الشباب اللبناني. ويبدو أن موسم ربيع 2011 وصيفه حافلاً بالمفاجآت والتصاميم العصرية الملفتة والتي عرض جزءاً منها بين روما وباريس.
وقد اخترنا هنا بعضا من هؤلاء المصممين الذين تميّزت أزياؤهم لهذا الموسم واحتلت أسماؤهم مجلات الموضة العالمية، نظراً لفرادتها مثل إيلا زحلان التي استثمرت إعجاب الملايين بملك البوب وأغراضه وحياته الشخصية لتستوحي منها مجموعة غريبة تحمل اسمه، متفوقة بذلك على المصممين الرجال في بلادها الذين عادة ما يسبقون الجنس اللطيف في هذا المجال.
وننتقل الى عالم عبد محفوظ وغاباته الخضراء واللون الأزرق البهي الطاغي على تصماميمه في هذا الموسم. ثم نلقي نظرة على إستعادة داني أطرش لعالم السبعينات. ونتعرّف على مصمم يدخل أبواب روما للمرة الأولى في مجموعة مميزة بعنوان «خيال»، وهو جاك غيسو. ونلقي الضوء على آخر ما قدّمه خالد المصري الذي دخلت تصاميمه متحف باريس العريق.
أزياء «ملك البوب»
فاجأت اللبنانية إيلا زحلان متتبّعي عروض الأزياء الراقية في إيطاليا حين قدّمت مجموعتها الغريبة لربيع 2011 وصيفه في مدينة سيسيليا الإيطالية بعنوان «ملك البوب» المستوحاة من جمالية أزياء ملك البوب الراحل مايكل جاكسون. فكلما تمايلت العارضات في صرح (Teatro alla villa comunale)في مدينة سيسيليا وهو المكان الذي تم فيه تصوير مشاهد من فيلم (The God father)، إنسابت الدهشة على الحاضرين من مصممين وصحافيين ونقاد.
إيمان إيلا زحلان بأن أزياء جاكسون كانت مميزة ومبتكرة كما أغنياته وموسيقاه، دفعها لاستخلاص الموضة العصرية التي كان يتبعها، فقدمتها بالتزامن مع انشغال العالم بمقاضاة طبيبه. فكانت روح المجموعة شبابية الهوى وعملية، رغم أنها مصممة لإرضاء ذوق المرأة التي تختار الأناقة.
هذه المجموعة الاحتفائية بملك البوب، تبدو ديناميكية في جميع تفاصيلها. الستراس وأحجار الشواروفسكي اللذان يطغى وجودهما على جميع القطع، يضفيان الطابع المبهر على القطع المنوعة بين الفساتين التيورات الرمسية. اطلالة مشرقة تتميز بها امرأة المصممة ايلا زحلان، حيث تبدو فاتنة بتصاميم دافئة. وقد أضافت المصممة اليها بريما رفيعا ينسجم مع لون التصميم، كي تجسّد روحية أزياء مايكل جاكسون، فتم ادراجه في هذه المجموعة باللون الفضي والذهبي والبرونزي.
الاكسسوارات كانت لغة مشتركة في سائر قطع المجموعة، وهي التي تؤكد على هوية التصاميم المميزة وانتمائها الى حقبة الدهشة التي كان مايكل جاكسون يصنعها في كل اطلالة له.
دفء مجموعة (ملك البوب) وحميميتها، توجدها الألوان المستخدمة، حيث استخدمت زحلان اللون الأبيض والأسود والأحمر والأزرق والرمادي، كما أكثرت من اللون الفضي المعتّق الذي يدخل سيداً على الألوان الدافئة في هذا الموسم. وقد أضيفت اليها ألوان أخرى وُجِدت في البريم المجدول كزينة واكسسوار اضافي على القطع، فكانت تفاصيل اضافية للغة شبابية تخالف المألوف، وتصنع من المجموعة مادة لخط جمالي حديث.
المجموعة اختتمت بفستان زفاف واحد، ينسجم مع روحية المجموعة، ويخالفها بلونه الأبيض الذي لم نعهده في ازياء جاكسون، ويتميز بطابع جمالي براق خاطته المصممة ايلا زحلان بدقة وشغف.
الأنوثة بلغة شفافة
كعادته يسحر المصمم عبد محفوظ جمهوره بتصاميمه المفعمة بالحيوية والأنوثة الناعمة والتي أطلق عليها عنوان «رقيقة وشفافة». محفوظ يفتح في هذه المجموعة نافذة للضوء على تصاميم أشرقت من ألق الطبيعة الغناء، فاستراحت زرقة البحر على فساتين أبهى من سماء الصحو، تخبر من صالة (Santo Spirito) في روما حكايا أنوثة خيطت بلغة شفافة لموسم ربيع وصيف 2011، وقدمت ضمن اسبوع الموضة للهوت كوتور في العاصمة الايطالية.
رقيقة وشفافة، هي التصاميم التي ابتكرها محفوظ في هذه المجموعة الربيعية، حيث بدت منسجمة في فكرة تكريس الـ «كورسيه» كأولوية جمالية في سياق التصاميم، وتدور في فلك ابراز الأنوثة، ومنح اطلالة المرأة الأنيقة رؤية فاتنة. هي مجموعة متكاملة من السحر، تسكن منزلة من قلب الربيع، فقد اشرقت بألوانها الهادئة حتى تحولت الى واحات مزهرة بلون أزهار اللوز الناصعة، والبيج الرقيق، والبنفسجي الحالم.
اضافة الى لون الزهر الهادئ الذي شغل مساحات واسعة من التصاميم وانعكس نضارة في ساحة العرض التي تم اختيار خلفيتها من وحي الطبيعة، وعكست أغصان اشجارها وأزهارها وورودها على التصاميم الحالمة.
شفافية التصاميم وتميزها، تركت انطباعاتها على فستان الزفاف المبهر الذي أكمل رحلة الابداع في مجموعة عبد محفوظ، فقد اعتمد الدانتيل اساساً في وسط فستان الزفاف الأبيض، وأحاطه بأقمشة شفافة بطريقة مبتكرة، وجعل الموسلين والأورغنزا كواكب مشعة تدور في فلك مجموعة ساحرة تحاكي الطبيعة، وتعتمد أنوثة المرأة وجهة أساسية لرحلة الابداع والتألق.
بريق السبعينات
حوار بين الأناقة والجسد تنسجه مجموعة المصمم داني أطرش من أزياء الهوت كوتور لربيع 2011 وصيف حيث تحاكي التصاميم بريق السبعينات، وتعكس مرايا عصر الموضة الذهبي في فساتين مدهشة، راقية، وجذابة أضيئت بألوان الحب. هذا الامتداد الى التاريخ، حضر في أناقة المستقبل، فبدت التصاميم فاتنة بالـ «كيبير» المشغول بدقة وعناية، ومشعة بالوهج المخملي الأوروبي الذي استُحضر خلال العرض في فندق (موريس) في العاصمة الفرنسية ضمن أسبوع الموضة في باريس. واستعادت المجموعة بريق أناقة السبعينات عبر روحية الحياكة اليدوية التي شغلها أطرش على صدر الفساتين وسائر تفاصيلها.
فيبدو الـ «درابيه» الأكثر نجومية في هذه المجموعة حيث احتل موقع الأهمية في سائر القطع، فكان مشغولاً بقماش الموسلين على الصدر، متخذاً الشكل الجامد حيناً، وفي أحيان أخرى بدا متحرراً من قيود الحياكة، ما منح التصاميم انسيابية عالية.
أما الدانتيل، فكان له وقعه المميز في تصاميم مبهرة تمتد الى عصر الموضة الذهبي، فكان مشغولاً باشكال ساحرة تفتتن بها الأنظار، منها الورود الموزعة على بنية التصميم، و الـ (بابيون) المعقودة في كل فستان على حدة، بالاضافة الى الـ (كيبير)الذي ظهر بأحجام مختلفة، كبيرة نسبياً، ويمتاز بعرقه النافر.
هذه الايحاءات، هي ركن اساسي من أركان حقبة السبعينيات التي تعتبر أهم مرحلة في تاريخ الموضة بحيث كانت غنية بالشغل اليدوي وبالدقة في التصميم، فأراد أطرش استعادتها بطريقة عصرية تعكس مرايا تلك الحقبة، وتنتقل بالمرأة العصرية الى عوالم مختلفة. وتم استحضار جمالية أخرى من موضة السبعينيات، تمثلت بالأحجام المبهرة التي صنعها قماش الأورغنزا في أسفل فساتين السهرة الطويلة، وهي امتداد لتاريخ التصاميم الأرسقراطية التي كانت رائجة في أوروبا في تلك الفترة.
تصاميم هذه المجموعة، صممت لتراعي سائر المناسبات في موسم الصيف، وتوفر للمرأة اطلالة ساحرة. فقد تنوعت بين تصاميم السهرة الطويلة، وفساتين الكوكتيل القصيرة، كما تضمنت قطعتين أنسامبل مؤلف من تنورة وجاكيت. وقد منح المصمم داني أطرش المجموعة روحاً صيفية، تمثلت بألوان الحياة الطاغية على سائر القطع والفساتين.
لقاء الهندسة وسحر الطيف
جمع المصمم جاك غيسو الأشكال الهندسية المنظمة وسحر ألوان الخيال، في مجموعته الجديدة (SPECTRUM) لينسج رؤية ابداعية تحاكي واقعية الفن واسقاطاته الجمالية على اطلالات عصرية مدهشة. فقد اقتبس مشهدية الفن المنظم من أشكال العدّة الصناعية، فشرعت الإكسسوارات أذرعها لاستقبال أقواس الضوء بحميمية، في حين أدخل نسيج الفساتين داخل عالم الميكانيك بحرفة.
بهذه الرؤية الجديدة دخل جاك غيسو مدينة الموضة روما للمرة الاولى، حيث قدم تصاميمه في سانتو سبيريتو Santo Spirito ضمن اسبوع روما للهوت كوتور. وتأتي هذه النقلة النوعية بعد عرضه عدداً من التصاميم في بيروت ونيويورك. اعتنى غيسو هنا بالتفاصيل، فبدت المجموعة موحدة بايقاع مستقل، مبهرة بألوانها الفاتنة، وتعزف الحداثة والابهار اللوني في فساتين تنوعت بين القصيرة والطويلة، وأضيفت اليها فساتين زفاف رائعة، اختلفت أحجامها وقصاتها وتوحّدت باللون الملائكي.
«انعكاسات مضيئة» بزخرفة البحار
البحر بهدوءه وجماليته وزخرفته، احتل مكانة حميمة في مجموعة المصمم خالد المصري من الهوت كوتور لموسم ربيع وصيف 2011، فانعكس بريقاً على تصاميم مبهرة، ليرسم أفقه الواسع ويحدد هوية خاصة من الأناقة الفاتنة عبر اسلوب الحياكة والتطريز، ويعلن عن انطلاقة مجموعة (انعكاسات مضيئة) التي قدمت في أول أيام أسبوع الموضة الفرنسي في قاعة Mezzanine في فندق Palais de Tokyo في باريس.
وبفرادة أسلوبه، نقل المصري روحية البحار الى سائر قطع المجموعة، مبتكراً الـ «كروشيه» لتحديد هويته المستقلة في الحياكة، وهي أحدث ابتكارات الخياطة وأكثرها دقة، ذلك ان الخيطان تنسج يدوياً، وتترك انطباعاتها الهادئة على تصاميم برزت باللون الأزرق الهادئ، والبيج والزهر الفاتح وألوان الباستيل.
اللافت في مجموعة «انعكاسات مضيئة» هو التطريز اليدوي الدقيق. فقد استكمل المصري مشهد الأناقة بمحاكاة زخرفة البحار، ونقلها بسلاسة الى التصاميم من خلال إضافة مواد جديدة ومبتكرة في التطريز ، التي سكنت لوحات فنية في مواقع مختلفة من كل فستان.
سرّ الإغواء
في مجموعته لربيع وصيف 2011 يترجم المصمم طوني ورد سر الإغواء والخفة وليونة الأشكال الهندسية في الفساتين التي تتمايل كالسحر والقصات المتكاملة التي تذكر بالهندسة الحضارية وتنحت الجسم فتنبعث منها روح الانسجام الأنثوي المتكامل. تتنفّس تصاميم المبدع اللبناني الإيطالي روح المدينة شعراً وسيميائيةً وجمالاً.
ويتجلى هذا الرابط الرائع بين التصاميم والمدينة في كل طية من فساتين ورد التي سرعان ما تصبح ملتقى للحضارات فتعود بك إلى الزمن لتتذوق طعم الأزمنة الغابرة الذي يعطي للمدينة معناها. عند رؤية التصاميم يخيّل إليك أنها تلامس جسد المرأة بشغف فتعيد له الحياة وتزيّنه بالتطريز والحجار الكريمة والشواروفزكي ورموز الأناقة التي تفوق كل زمن في جو معاصر يحمل لمسة طوني ورد.
