بقامتها الممشوقة، وقوامها الأخّاذ، لا يُمكن لأيٍّ كان أن يتجاهل عارضة الأزياء ليومي أندرسون التي ما إنّ دخلت على جمعٍ في أحد المراكز التجاريّة، أو على هيئة تقييمٍ لعرضٍ أو إعلانٍ ما. وفي أسوأ حالاتها، من دون أيّ ماكياج وخصلات شعرها مجموعةٌ إلى الخلف، لا تزال أندرسون ذلك الوجه الذي يلفت الأنظار.
عندما كانت لا تزال في الرابعة عشرة من عمرها، اكتُشفت ليومي من قبل أحد مكتشفي المواهب التابعين لإدارة عارضات الأزياء في وكالة بريميير العالميّة، ومنذ ذلك الوقت لم تعرف العارضة ذات الأصول الإفريقيّة الا النجاح في مختلف الأصعدة.
في أوّل المواسم التي عملت بها أندرسون خلال شهر سبتمبر الفائت، عرضت تصاميم لمارك جايكوب وأونارغو، كما أنّها كانت أوّل من ظهر على منصّة عرض لويفي. وطلّة أندرسون لم تلفت نظر صنّاع الموضة فقط، بل تجاوزتها لتصل واحدةٍ من أهمّ نقّاد عالم هذه الصناعة، كاتي غراند رئيسة تحرير مجلّة لوف، التي نشرت في مجلّتها الموسميّة مقارنةً بين هذه العارضة الصاعدة، ونايومي كامبل التي بدأت عملها مع وكالة بريميير أيضاً.
ففي مقابلةٍ أجرتها العارضة السمراء مع مجلّة إيسينس الأميركيّة، قالت أندرسون: أشعر بالإطراء إذا ما قارن أحدهم بيني وبين ناعومي كامبل، فقد استطاعت أن تحقّق الكثير في مجال عرض الأزياء، ولكنّني لا أريد من الناس أن ينظروا إليّ كناعومي الجديدة، أريد ان تكون لي شخصيّة مُختلفة ومتفرّدة، وأرغب بأن يبدأ الناس بقراءة كتاباتي، وليس فقط مُشاهدة العروض التي أُشارك بها.
من وجهةٍ نظرٍ موضوعيّة، نرى بأنّ هنالك مساحةٌ كبيرة في عالم الأزياء تستوعب الكثير من عارضات الأزياء ذوات الأصول الإفريقيّ، إلا أنّ الواقع يختلف عن الصورة النمطيّة، فيبدو أنّ العالم لا يُمكنه أن يتقبّل أكثر من عارضة سمراء في آنٍ واحد. حيث تقول كارول وايت، مؤسِّسة وكالة بريميير لعرض الأزياء: في المقارنة بينهنّ، من الأصعب للعارضات السمراوات أن تخضن هذا المجال لعدّة أسباب، أوّلها عدم توافر الكثير من فرص العمل لهنّ، بالإضافة إلى القلق الذي ينتاب بعض المصوّرين وأخصائي التجميل أثناء العمل مع فتاةٍ سمراء، حيث يتطلّب منهم مزج الألوان، وتجهيز الإضاءة فترةً أطول، ممّا يزيد من مدّة تحضير العروض.
بدأت وايت بالمناداة بزيادة عناصر الاختلاف في صناعة عرض الأزياء منذ عام 2008، خلال السنوات الفائتة، حاولت أنّ أستقدم عدّة فتياتٍ سمراوات إلى هذه الصناعة، إلا أنّ نجاحهنّ يتوقّف على موقف العملاء. فالكثيرون يشكّكون في قدرة العارضة السمراء على بيع مُنتجاتهم، وبالتالي يلجأون إلى ما جرّبوه في السابق، والمقصود هنا العارضة البيضاء.
وفي ردّها على سؤالٍ حول إذا ما كانت صناعة عرض الأزياء عنصريّة، تُجيب وايت: لا أعتقد أنّ هذا المجال من العمل أكثر عنصريّةً من أيّ جانبٍ آخر في الحياة، فالصناعة يقودها عنصر العرض والطلب، والوسيط القادر على بيع المنتج، والفتيات البيضاوات الشقراوات هنّ دائماً الاستثمار الناجح في هذا المجال. والحقيقة هي أنّ الفتيات السمراوات أثبتن قدّرتهنّ على الترويج، إلا أنّ الأزمة الماليّة فرضت على العملاء أنّ يكونوا أكثر تحفّظاً، وأن يبتعدوا عن المجازفة.
آني ويلشو، العاملة في مجال وكالات عرض الأزياء أيضاً، تُخالف وايت برأيها، وتقول: أنا متأكّدة من مجال عرض الأزياء عنصريٌّ لأبعد الدرجات، فعلى الرغم من أننا في سنة 2011، إلا أنّ العارضة السوداء غير قادرة على العمل في باريس أو ميلانو، وأرى أنّ هذا الأمر شائنٌ بحقّ. فعندما يُرسل لك العميل تقديماً عن نوع مشروعه، تعرف حالاً بأن متطلّباته لا توجد في العارضات السمراوات. فكثيراً ما نتلقّى طلباتٍ تتضمّن نريدها ذات شعرٍ أملس وطويل كالحكايات الخرافيّة. وإذا ما
أرادت فتاة سمراء، يقولون نريد أشخاصاً من أعراقٍ مختلفة، أو نريد شخصاً له سحنة صحراويّة، وما إلى ذلك. وأنجر من الغضب إذا ما رافقت إحدى العارضات السمراوات، وعرفت أنّ التصوير يتضمّن مقاطع لشخصيّاتٍ من قبائل أفريقيّة. والمصوروّن أيضاً يلعبون دوراً سلبيّاً في هذه الحقيقة، حيث انّهم يصوّرون الفتيات السمراوات في لقطاتٍ متشابهة دائماً، وكذا هي الحال مع أخصائي التجميل الذي يعتمدون دائماً على ظلال العين الصارخة.
وعلى الرغم من أنّ كثيراتٍ من عارضات الأزياء تمكّن من تحقيق النجاح في هذا المجال، شأن العارضة البورتوريكيّة جوان سمولز، التي ما لبثت أنّ وقّعت عقد ترويجٍ لعلامة لوريال الفرنسيّة، وشانيل إمام وجينيل ويليامز، إلا أنّ وكالة بريميير لا تزال تحذّر عارضاتها السمراوات من أنّ عليهنّ بذل جهدٍ مُضاعف بالمقارنة بمثيلاتهنّ.
وفي حديثها عن ليومي أندرسون، تقول ويلشو: عندما انضمّت ليومي إلى وكالتنا، كنّا صريحين معها، وقلنا لها بأنّ خياراتها لن تكون متنوّعةً كخيارات الفتيات البيضاوات. فليس من السهل العمل على تقديم فتاة سمراء إلى مجتمع عرض الأزياء، فعليها أن تبذل جهداً مضاعفاً لتتمكّن من الحصول على ما تحصل عليه صديقاتها الشقراوات.
أندرسون من ناحيتها، ترى الأمر من منظورٍ أكثر إيجابيّةً حيث تقول: لا يمكن لعرض أزياء ألا يكون عنصريّاً، فمجتمعاتنا، على الرغم من ادّعائها الحضارة، لا تزال عنصريّةً حتّى الآن. فالتحيّز والتمييز حاضرٌ في كلّ نواحي حياتنا، ولا يُمكن لصناعة عرض الأزياء أن تتبرّأ منه.
وتزيد أندرسونفي هذه النقطة قائلةً: أنا متأكّدةٌ من أنّ هنالك الكثير من العارضات اللواتي تمتلكن مقوّماتٍ أفضل من تلك التي أمتلكها، بعضهنّ آسيويّ، والبعض الآخر أبيض أو من أصولٍ افريقيّة. وإذا لم أوفّق للعرض على منصّات علاماتٍ تجاريّةٍ لمصمّمٍ ما، أؤوّل ذلك إلى مقوّماتي كعارضة، وليس إلى لوني.
مأساة سمراء سابقة
في حديثٍ سابق لمجلّة جي كيو، صرّحت أشهر عارضة سمراء في العالم أنّها عانت وتُعاني من التمييز العنصريّ، حيث قالت: لقد سأمت من قلّة عارضات الأزياء السمراوات، وتُصيبني الخيبة والإحباط إذا ما فتحت مجلّة أزياء ولم أرى فيها ايّ صورة لعارضة أزياء من أصولٍ افريقيّة. وفي حديثٍ آخر وجّهته لمجموعةٍ من الصحافيين في احد المؤتمرات التي عقدتها أثناء قضاء إجازتها الصيف الفائت في كينيا: تعمد وكالات تشغيل عارضات الأزياء على تهميش أولئك السمراوات منهنّ.
والجدير بالذكر، أنّ آخر صورة ظهرت لكامبل على غلاف مجلّة فوغ العالميّة المعنيّة بشؤون الموضة والأزياء، كان من قرابة ست سنوات، وقد اعتبرت نايومي أنّ هذا الإقصاء ليس إلا شكلاً من أشكال التمييز العنصريّ ضدّها من قبل الإعلام وصنّاع الموضة. وقد زادت العارضة البريطانيّة في انتقادها لإعلام بلدها قائلةً: لم أحصل يوماً على معاملةٍ عادلة في بلدي، فنادراً ما تظهر صورةٌ لي على غلاف إحدى المجلات الشهيرة المعنيّة بالأزياء. بل ترى العارضات الشقراوات صورهنّ تحتلّ الاغلفة على الرغم من أنّ كثيراتٍ منهنّ ليسوا بشهرتي أو نجاحي.
وجهةُ نظر شرقيّة
لا تختلف حال العارضات السمراوات كثيراً في منطقتنا العربيّة، ففي مدينة دبي، التي تشهد أكبر نشاطٍ لصناعة عرض الأزياء في الشرق الأوسط، يبدو ظهور العارضة السمراء خجولاً. وعن الأسباب وراء هذه الحقيقة، تقول نادين الشاعر، رئيسة تحرير مجموعة مجلات موضة منها أهلاً! ولوفيسييل: يعتمد اختيارنا للعارضات اللاتي نعمل معهنّ لتصوير عروض الأزياء أو تجهيزها لعوامل تعلّق بتقاسم الوجه في أغلب الأحيان، فلا مانع لدى هيئة التحرير لدينا من العمل مع العارضات السمراوات إذا كانت ملامحهنّ تشبه ملامح الفتاة الشرقيّة. فعملنا ينصبّ لخدمة النساء في هذا الجزء من العالم، وعليه نحتاج لوجوهٍ تُشبه تلك التي تًصادفنا في المراكز التجاريّة أو خلال تفاصيل حياتنا البسيطة.
وتُضيف الشاعر في الحديث عن تواجد العارضات ذوات الأصول الافريقيّة على الساحة العالميّة، استغربت من التمييز العنصريّ الواضح في العديد من أسابيع الموضة الأوروبيّة، خصوصاً وأنّ الالوان التي سيطرت على موضة هذا الموسم تتناسب مع البشرة السمراء أكثر من ملاءمتها للبشرة البيضاء. ولكنّني شخصيّاً أعتقد بأنّ على الفتيات السمراوات اللواتي تمتلكن مقوّمات عارضات الأزياء أن تتحليّن بثقة أكبر بالنفس، وأن تتقدّمن بعملهنّ لتحدّي الصعوبات التي تواجهها بنات جلدتهنّ. فعرض الأزياء كأيّ جانبٍ آخر من جوانب الحياة، يتطلّب الاجتهاد لتحقيق الذات.
