ليس منّا من هو معصوم من الخطأ، فقد تُخفق أحكامنا على أسبوع «أوت كوتور» الفرنسي، الذي انخفض عدد أيّامه إلى 3 فقط ولم تُشارك فيه سوى 6 من دور الأزياء. وقد تكون أسئلتنا أيضاً في غير مكانها في الوقت الحاليّ، ومن ذلك الصورة التي تنقلها العروض عن صناعةٍ لم تتعاف بعد من أقوى أزمة ماليّة عصفت بالعالم أجمع منذ سنوات.
رُبّما علينا ببساطة ان ننظر للأمر كما ينظر إليه الإداريّون في متحف «ميوزيه دورساي»، في العاصمة الفرنسيّة، الذي اختار، عوضاً عن وضع إعلان معرض لوحات الفنّان غوستاف ماهلر الذي سيحتضنه لاحقاً، أن يُغطّي واجهته المطلّة على نهر «السين» بإعلانٍ مصور تبلغ مساحته 2890 قدما مربّعا، لزجاجةٍ عطرٍ من دار «شانيل». فقد أجاب هؤلاء الإداريّون على الاستنكارات المتصاعدة من المواطنين الممتعضين من هذا التصرّف، بأنّهم كانوا بحاجة المال للحفاظ على المستوى المميّز للممتحف، ولاسيّما بعد انّ خفّضت الحكومة مخصّصاتهم الماليّة، فقرّروا أن يدخلوا عالم الأزياء، ومن أكثر أبوابه سهولةً.
دار «كريستيان ديور» على سبيل المثال، اختارت عبر مديرها الإبداعيّ جون غاليانو، أن تستلهم مجموعتها لملابس السهرة من الرسّام رينيه غورو، ليخلق بهذا تصاميم تُشبه ما انتشر في ستّينات وسبعينات القرن الفائت، مع الكثير من المبالغة في التفاصيل، فالسترات الحديثة، جلبت معها مجموعة من التنانير الواسعة، وإلى جانبها أثوابٌ ضيّقة من الريش، ومن دون حمّالات. بالإضافة إلى الفساتين المصنوعة من التول والحرير، والتي صُمّمت فقط لتُظهر مفاتن الجسم من الناحية الأماميّة، وتبتعدعن المعقول من الناحية الخلفيّة، لتجعل المتفرّج يتساءل إن كان بإمكان العارضة، على سبيل المثال، أن تدخل باباً، أيأً كان اتّساعه، بثوب كهذا. وهذا يفرض علينا تساؤلات، قد تكون خاطئة، إلا أنّها واقعيّة، فما الذي يدفع امرأة حسنة المظهر، من عصرنا هذا، أن ترتدي لباساً يُظهرها وكأنّها رسمٌ كاريكاتوريّ لنساء العصور الغابرة!.
وحال «آرماني بريفيه» لم تكن أفضل أيضاً، فقد استخدمت الدار أقمشةً بألوانٍ معدنيّة عاكسةٍ للأضواء، في السترات والتنانير والكلسات السميكة، وقطع أخرى غريبة الأطوار، تبدأ من القفص الصدري، وتلتقي عند الأوراك بمساواةٍ غريبة، تجعل كلّ قطعة من التصميم تبدو وكأنّها تسير بمُفردها، من دون القطعة الأخرى. وهذه التصاميم بصراحة، تستغرق منفّذيها وقتاً طويلاً في التفكير بهندسة الفستان على سبيل المثال، يفوق بكثير الوقت الذي خصّصه المصمّم للتفكير بالمرأة التي ستفقد عقلها، وتشتري تلك القطعة لترتديها في مناسبةٍ ما.
إيلي صعب الذي لطالما النتظر المشاهير تصاميم ثياب السهرة التي يُطلقها، عبّر هذا العام عن الكثير من الأقمشة المخرّمة، وقطع الكريستال. هذه العمليّات، والتي تتطلّب الكثير من العمل اليدويّ، هي السبب في ارتفاع سعر هذا النوع من الملابس. وفي السابق كانت هذه التزيينات تُستخدم قليلا، لتُظهر الإبداع في عمليّة، الحياكة، إلا أنّ تصاميم صعب، قدّمت الكثير من هذه الأعمال، وكأنّها استُخدمت فقط للمشاهدين، هذا ما يُمكننا فعله.
مع نقد البعض، لا بدّ لنا من إعطاء البعض الآخر حقّة، فبعض المنشقّين، كبيير باولو بيكيولي وماريا غارسيا شيوري من «فالنتينو»، إلى جانب ريكاردو تيسكي من دار جيفنشي، مؤمنون تماماً بما تُسميّة «شيوري» الرفاهية الخصوصيّة. حيث أنّ اكثر الفساتين التي استهلاكاً للوقت من مجموعة «فالنتينو» كانت أبسطها، فساتين كريميّة اللون، مزيّنة بالقليل من تطريزات الألماس، أو العُقد. وكذلك عمل تيسكي في «جيفنشي»، الذي طلّق خشبات العرض، ليتفرّغ للعروض الخاصّة، فقد أخذ منه تجهيز احد الفساتين 4000 ساعة تماماً، لاستخدام 28 طبقةً من الشيفون والتول، ملتفّةٌ على الجزء الضيّق من الفستان الأبيض غير اللامع.
بقيّة العروض كانت أفضل بشكلٍ سطحيّ، شكلٍ لم يكن له مبرّر لدى الناس، الذين استغربو اضطرارهم لدفع مبالغ طائلة على تصاميم اقلّ من بسيطة، قبل أن يعرفوا السرّ في ارتفاع أسعارها. ولكن في عالمنا المليء بالملهيّات، كيف يُمكن لدارٍ كهذه أن تترك الجمهور في حيرةٍ حول ما إذا كانت التصاميم تستأهل المبالغ الطائلة التي تُدفع بها، خصوصاً وأنّ عدداً كبيراً منهم عليه أن يفهم، كي تبقى هذه الدور فعّالة.
جون بول غوتييه، معروفٌ بقدرته على صناعة المعجزات، إلا أنّه في هذه المرّة قرّر أن يُزاوج بين كشاكش كارمن ميراندا وأثواب النوم التي كانت ترتديها باربارا سترايسنت، ليخلق عامل الدهشة في من يرى تصاميمه، والغباء في من يرتديها. وعلى نفس الخُطى، كارل لاغرفيلد لدار «شانيل» قدّم مجموعةً من سراويل الجينز المطرّزة، والمعاطف المسائيّة المدجّجة بالكريستال، والفساتين الضيّقة المليئة بالريش، التي من المُفترض أن يُقدّم المصمّم معها كتيّباً يشرح فيه المناسبات التي يُمكن لهذه التصاميم أن تُرتدى بها.
في النهاية، لا يتعلّق هذا الأمر بالناحية الجماليّة فقط، بل إنّه يتجاوزها إلى قضيّةٍ أساسيّة، ألا وهي الحفاظ على هذه المشاغل المخصّصة لصناعة ثياب السهرة، في دور الأزياء العالميّة.
