فخامة الأزياء المترفه (الهوت كوتور) مثل الحلم فى تفاصيلها المخملية التى استدعت أحيانا بطلات فيلم «ذهب مع الريح» أو الحياة المرفهة في «سيدتي الجميلة» واناقة الزمن الجميل، التي ارتبطت في أذهاننا بجميلات أفلام الأبيض والأسود، وفي أحيان اخرى أميرات من الميثولوجيا الإغريقية أو نجمات بوليوود.

لكن رغم اختلاف الإيحاءات والمصادر، إلا ان الترف والفخامة كانا القاسم المشترك في كل العروض. وهذا ليس بالغريب، وهو ما جعل اللون الفضي يتربع على عرش الازياء في الموسم المقبل إذا اخذنا بعين الاعتبار ان الموسم خاص بالهوت كوتير، أي الموسم الذي قد يصل فيه سعر الفستان الواحد إلى مئات الآلاف من الدولارات، ويستغرق أسابيع طويلة من العمل الدؤوب لإخراجه بصورة فنية لا تكرر وتبرر سعره الناري. من الناحية الفنية، هو ايضا موسم لا يهتم بأنصاف الحلول أو المنطق. فالحلول هنا هي إطلاق العنان للخيال والفنية، والمنطق هو فرض اسم الدار بالقوة ولغة المال، رغم كل ما يقال عن عدد زبوناته الذي تقلص في العقد الأخير إلى حوالي مائتي زبونة من كل أنحاء العالم. هذا الاسبوع يعد مفخرة باريس، لأنه الوحيد الذي تحتكره تماما، ولا تستطيع أي عاصمة أخرى ان تنافسها عليه. فقد تكون لنيويورك وميلانو ولندن أسابيعها، لكن ولا واحدة لها اسبوع للخياطة الرفيعة. ومن هنا تأتي فخامته وفنيته التي لا يعلى عليها، خصوصا من أعرق بيتين: كريستيان ديور وشانيل. فهما مدرستان تلتقيان في العراقة والثقافة الباريسية وتختلفان في الأسلوب والتفاصيل، ومن دونهما يصعب تصور ان يكون لباريس موضة اصلا. فالمعروف عن العبقري البريطاني، جون غاليانو، ، أنه يفضل ان يمشي ضد التيار.

كل التوقعات كانت تشير إلى ان تصاميمه ستتركز على إرث المسيو كريستيان ديور، المؤسس، وبالذات على «دي نيو لوك»، الذي ابتكره في عام 1947 وكان ثورة بكل المقاييس حينها. فأوروبا كانت خارجة لتوها من الحرب العالمية الثانية، وكان هذا الإبداع بمثابة النفس العميق الذي منحه ديور لأنيقات العالم المتعطشات للجديد والانعتاق من الأزياء المتقشفة، وبالتالي كان هدية قيمة بكل المقاييس، بدءا من الخامات المترفة إلى التصميم الانثوي بالخصر الضيق والتنورة المستقيمة وأكتاف الجاكيتات والفساتين المحددة. لكن غاليانو ارتأى الا يركز فقط على هذا الجانب، بل أن يثير الانتباه إلى جزئية تكاد ان تكون غائبة عن أغلب الناس، وهي ان المؤسس درس الهندسة وامتهن التصميم، لكنه كان فنانا قلبا وقالبا. قد كان يمارس هواية الرسم، كما كان يصاحب العديد من رسامي العالم، وعلى رأسهم صديقه جون كوكتو، أثر عليهم وأثروا عليه، لذلك كانت تصاميمه و بكل بساطة، معرضا فنيا بلوحات متحركة على أجسام عارضات سوبر. كل فستان كان تحية لرسام خلد اسمه في الفن، بدءا من ليوناردو دافنشي، وكارافاجو إلى فرمير ورينوار وبيكاسو وهلم جرا. في المقابل، كانت القصة مختلفة ، في عروض دار شانيل. فمصممها كارل لاغرفيلد، الذي تدين له الخياطة الرفيعة بالكثير، على ما هي عليه اليوم من حداثة وحيوية، ينتمي إلى مدرسة الكلاسيكية العصرية التي ترفع شعار السهل الممتنع، مما يجعل كل ما يطرحه في السوق بمثابة الذهب من حيث قيمته. عرضه كان كل ما توقعناه من مبدع يحترم اسم مؤسسة الدار، لكن كل انظاره موجهة نحو المستقبل وما تريده زبوناته. بعبارة اخرى يمكن للأميرة كارولين أوف موناكو، ان تجد كل ما تريده في هذه التشكيلة، كما يمكن لابنتها شارلوت كاسيراجي ان تجد كل ما تريده. ففساتين السهرة كانت اكثر من رائعة بتفاصيلها، التي رسمها لاغرفيلد ونفذتها الايادي الناعمة التي يكن لها كل الاحترام. فالتطريزات اضفت عليها الفخامة والتألق، كما ان طريقة قص المعاطف على شكل شالات بقلنسوات اضفت على العارضات رشاقة لا شك ستجد صدى طيبا لدى زبوناته.

وطبعا لا يمكن الحديث عن شانيل من دون الحديث عن الفستان الناعم والتايور المفصل الذي اشتهرت بهما الدار منذ البداية وما زالا يخضعان لتطويرات عصرية موسما بعد موسم. عروض الكبار لم تنته عند هذا الحد، فإيلي صعب فهذا المصمم اكثر من يتقن عنصر الإبهار والأنوثة عندما يتعلق الأمر بفساتين السهرة، قد ينتقده البعض بأنها موجهة للثريات العربيات والأميركيات، لكن النتيجة التي لا يستطيع أحد إنكارها أنها ساحرة. اقتصرت تشكيلته على درجات الفضي والأسود، لأنها، كما قال، تحية لنجمات افلام الأبيض والأسود. جاءت الفساتين في غاية الأنوثة تتراقص مع كل خطوة تمشيها العارضات، مرصعة بالاحجار وشلالات من الخيوط المتدلية على أقمشة مترفة. فساتين اقل ما يمكن ان يقال عنها انها تحف، قد لا تكون بفنية غاليانو، لكنها أكثر رومانسية بالمفهوم المعاصر. الجميل فيها ايضا انها لا تحتاج إلى أي اكسسوارات إضافية، بحسب ما أكد عليه مظهر العارضات، بتسريحات شعرهن المشدود إلى الوراء ببساطة، وماكياجهن المتقن وغياب أي شكل من اشكال الاكسسوارات، بما فيها المجوهرات. نظرا لأناقتها، حتى فساتين الكوكوتيل القصيرة يمكن ان تناسب افخم المناسبات ،اماالمصمم جيورجيو أرماني، الذي يحاول دوما مغازلة هوليوود أيضا حيث طرح قطعا بالفضي، لكنه حقنها بجرعة زائدة من الألوان، وبالأخص الوردي الصارخ. تبريره في ذلك انها مستلهمة من أسلوب مغني الروك آند رول المخضرم ديفيد بوي، موضحا: «إنه روك اند رول بنغمات خفيفة جدا.. لقد فكرت في امرأة اليوم.. فالكثير تغير في عالمنا حتى بالنسبة للثريات، والمرأة التي تعدت مرحلة الشباب، لا تزال تريد ان تلبس أزياء شابة، وأنا اصمم لمن تريد ان تفرض نفسها». وربما هذا هو ما يفسر بعض القطع الجريئة مثل معطف وردي مزين بالريش، وجاكيت بوليرو بالبرتقالي بأكمام منفوخة جدا وفستان من دون كتفين بتنورة بشكل بيضاوي، وتوكيسدو بقميص وردي.

لكن نظرا لكثرة المعجبات بأرماني، فإنه لا خوف عليه من بعض الجنون والغرابة، لانهن يعرفن انهن سيحصلن منه على تصميمات اقل صخبا عندما يرغبن في ذلك. في هذه التشكيلة يبقى الفضي هو المضمون، لاسيما فيما يتعلق بمناسبات السهرة والمساء، على العكس من تشكيلة جون بول غوتييه، التي كانت فيها النقوشات هي البطل، لأنه فنان يعرف الوانه وكيف يمزج الشقاوة بالعملية بطريقة يحسده عليها العديد من المصممين. فقد نجح في أن يجعل حتى نقوشات جلود الحيوانات تبدو عصرية ومغرية، بل وكلاسيكية. الإيحاءات هنا ايضا كانت غنية، مع فرق بسيط، وهو انه في الوقت الذي كان فيه باقي المصممين يغازلون أسواق آسيا وأوروبا الشرقية وروسيا، وهي اسواق لا يستهان بها من حيث إنعاشها للهوت كوتير في الآونة الآخيرة، يبدو ان غوتييه صوب انظاره إلى أثرياء بوليوود. فالتطريزات هندية والكثير من القطع والاكسسوارات تشير إلى انها تليق بمهراجا، أو على الأقل بنجمة بوليوودية. ـ بالنسبة لأية واحدة تريد فستان سهرة تتألق فيه في أجمل وأفخم المناسبات، فإن اللون الفضي، بغض النظر عن درجاته، سيكون هو السيد في الموسم القادم.