متتبّعو عالم الأزياء، والمقتنعون بأنّ أجمل تصاميم الموضة تنبع من العمل تحت الضغط، ليس عليهم إلا أنّ يُلقوا نظرةً على تصاميم أسبوع باريس للأزياء الرجال لخريف وشتاء ‬2011، كي ينقلبوا على أفكارهم، ويعيدوا النظر في نظريّاتهم من جديد. فمصمّمو فرنسا المخضرمون، والذين عانوا الأمرّين خلال السنتين الفائتتين، حيث عصرت الأزمة الماليّة مواردهم ومردوداتهم بشكلٍ رهيب، عادوا بصورةٍ أيقونيّة ليخلقوا رومانسيّةً جديدة تحكي قصّة العشق بين رسومات أفلام الرصاص، أو المخطّطات المبتكرة على أجهزة الحاسوب، مع أغلى أنواع الأقمشة العالميّة.

فلتكن البداية مع جون غاليانو، مجموعته الغريبة، تُذكّر باللاجئين الروس، وهي مُستلهمة من شخصيّة الراقص «التتري» رودولف نورييف، الرجل الذي لطالما ترادفت شهرته مع سحر الحركة. ويقول ألبير الباز من ناحيته، المدير الإبداعي لعلامة «لانفين»: «إن الأناقة لم ترتبط يوماً بالعنصر الشبابي، طالما كانت جزءاً من حياة الرجال أو النساء بعد سنّ الثلاثين»، مبرّراً بذلك مجموعة المعاطف المطريّة التي قدّمها ضمن مجموعته، والتي بدت وكأنّها قطعٌ من أقمشة النيوبرين والكشمير، معلّقين ببعضها البعض بواسطة مغناطيساتٍ خفيّة. ويضيف ألبير: «الشباب يجب أن يكونوا ظُرفاء مميّزين، ولكن ليس من الضرورة أن يتّسموا بالأناقة، ولهذا السبب اخترنا أن نصنع هذا المفهوم من الاناقة، كي تدخل عالمهم بمسحةٍ من الإبداع».

ومفهوم «الأناقة» هذا، لم يكن حكراً على لانفين، حيث تبنّته دورٌ أخرى شأن فالاتينو وبيير باولو بيكيولي وماريا غراسيا شيوري. فكلّ هؤلاء زاوجوا بين الجلد الطبيعيّ غير المصبوغ والكشمير، عبر معاطف مغالية في الأناقة، وبذلاتٍ مصنوعة من الكتّان اليابانيّ، ليضمنوا عنصر «عدم التكبّر» على شخصيّات من سيرتدي تصاميمهم. ريكاردو تيسكي، من دار جيفنشي، استعان بنوع روتويلر من الكلاب ليكون الفكرة الرئيسيّة لتصميمه عبر تقديم قمصانٍ قصيرة الأكمام وقمصانٍ مصنوعة من مادّة التارتان، ويبرّر تيسكي توظيفه لفكرة «الروتويلر» بأنّه يرى هذا النوع من الكلاب «لعوبٌ ولكنّه أنيق».

والكلمات نفسها، ليست إلا اختصاراً لما قدّمه ستيفانو بيلاتي، من دار «إيف سان لوران»، الذي استهلّ مجموعته بتصاميم قمصانٍ زيّنتها القبّة «الإدوارديّة» المصنوعة من المُخمل، مكسوّةً ببذلاتٍ خفيفة ثُنائيّة الأزرار، سقطت سراويلها، وأمسكت أطراف سُتُراتها بزوجٍ من الأزرار فقط. هذه المجموعة، وبالأحرى الموسم كلّه، أعلنا موت السراويل الضيّقة، وولادةَ سراويلَ مسطّحةٍ من الأمام، والمنتفخة عند الركب. والأحذية الضيّقة الأعناق، لم تظهر فقط في مجموعة «إيف سان لوران»، وإنّما رأيناها أيضاً لدى «دراي فان نوتن»، الذي اختار أسلوب مغنّي الروك الإنجليزي ديفيد بوي، عبر السراويل الواسعة، والبذلات ثُنائيّة الأزرار ايضاً، المزيّنة بياقات من فرو الأرنب، يُمكن فصلها.

دار «إرميز» بدورها، أغرقت في إحساس اللامبالاة أيضاً، مع ظهور عارضيها ببذلاتٍ جلديّة، حاملين نسخةً رجاليّةً من حقائب «كيلي». أما ديور فلمّ تقصّر في استخدام الكشمير في المعاطف، إلا أنّها داخلت بذكاءٍ بين اللون الأسود، واللون الرماديّ الذي تشتهر به الدار.

«ريد أوينز» اعتنق إيقاعاً من الحريّة مع تظاهُرةٍ من التنانير الأسكتلنديّة، والتي نعتبرها أزياءً يعود استخدامها إلى عهود القياصرة. وعلى الرغم من أنّ هذه الدار جديدة، إلا أنّها لم تهدّئ من غرابة ما قدّمته، كأحذية نجوم الروك وسُتُرات راكبي الدراجات الناريّة مع كنزات عُمّال النظافة السوداء. أمّا في كنزو، فقد ركّز أيضاً على السُتُرات المصنوعة من ثلاثة عناصر، إلا أنّه أغفل الصديري، وقدّم بدلاً منه تنوّرةً اسكتلنديّة.

البذلات الرسميّة، دخلت عمليّة إعادة تدوير وتصنيع لدى العلامة اليابانيّة الجديدة «ميهاراياشوهيرو»، التي ضمّت مجموعتها الكثير من كنزلات الـ«كريكيت»، المزوّدة بياقات كبيرة أشبه بالأوشحة، وكذا هي الحال لدى «جون بول غوتييه»، مع بذلاته من موديل توكسيدو، مزوّدة بحاملات مسدّسات.

فهذا العرض الذي ضجّ بسراويل تُشبه في بعض أحيان تلك التي يرتديها لاعبو كرة القدم الأميركيّة، أو تلك التي تُشبه طراز «لونغ جون»، وسُتراتٍ غير سميكة، غريبة وواسعة، وأحذية لا تتناسب إلا مع السراويل القصيرة، جاء المصمّم رولف سنويرين، من دار «فيكتور آند رولف» ليلخّص كلّ ما قدّمناه ببساطة.

كادر

«ما هي البذلة؟» هذا ما قاله سنويرين خلف الكواليس إلى جانب مصمّمة المجوهرات الصينيّ، باو وان، الشخصيّة الاجتماعيّة وحفيدة الزعيم الصينيّ، وان لي، التي كانت وجهة الأنظار في أسبوع الموضة. يُضيف سنويرين: «ليست البذلة سوى قطعتين من اللباس، مصنوعتين من نوع القماش نفسه، ونستخدمهما كلباسٍ للرجال»، ويُتابع: «إذا قطعنا التًال بين هاتين القطعتين ومفهومهما في حياتنا، سيتحوّل مفهوم البذلة إلى فكرة سرياليّة قد نعجب بها، وقد لا نُعجب».