«الملابس تؤثر على العواطف وتغير الأحاسيس» هكذا يصف الكاتب باولو كولهو، في كتابه بريدا( Brida) اهمية انتقاء الزي المناسب لحالاتنا النفسية فهي بالفعل كذلك، تعكس وتؤثر على حالتنا المزاجية، سواء من حيث ألوانها أو قصاتها، كما تخضع لأحوال الطقس وتغيراته. ومن هنا جاءت دلالات الأسود والرمادي وغيرهما من الدرجات الغامقة من جهة، ودلالات الأخضر والفوشيا والأصفر وغيرها من الألوان التي تضج بالحياة والحيوية، من جهة ثانية، سواء في الأدب أو الفن أو الحياة اليومية. بالنسبة للقصات، فما علينا إلا ملاحظة كيف تتغير بدورها مع قدوم الربيع والصيف، فتتحول من هندسية منحوتة أو الضيقة أيام البرد إلى منسابة وواسعة تتمايل مع أول نسمة خفيفة، وكأنها تريد أن تطير عاليا لتعانق أشعة الشمس.

 

ففي هذا الفصل، لا نحتاج إلى الكثير من الإكسسوارات ولا إلى تصميمات تلامس الجسد وتشد خصره وكأنها تطمئنه أن هناك جلدا آخر يدفئه، فضلا عن أن الحالة النفسية تكون عالية بفعل الضوء، ومفاصل الجسم تكتسب حيوية بعد أشهر من الخمول، والنتيجة في الغالب مجافاة للحزام الضيق، ومعانقة أزياء مطبوعة بروح الانطلاق وتضج بإيحاءات من عوالم بعيدة توقظ الرغبة بالسفر والترحال واكتشاف ثقافات جديدة. في الستينات ترجمت هذه الرغبة من خلال موضة الهيبيز، والقفاطين التي روجت لها العارضة وفتاة المجتمع، ثاليتا، في مدينة مراكش. وكانت هي السبب في وقوع الراحل إيف سان لوران، ليس في حب القطعة فحسب، بل في مدينة مراكش ككل، وفي السبعينات أخذ التمرد شكلا آخر من خلال موضة «البانكس» ثم «الغرانج» التي لم تدم طويلا، فقد وئدت قبل أن يشتد صلبها، وفي 2004، جاءت خبيرة أزياء شابة، اسمها رايتشل زو، لتسوق لنا موضة بوهيمية جديدة، تجمع بين الفينتاج والهيبيز، وكانت الإطلالة في منتهى الروعة والحيوية والأهم من هذا كله أنها صمدت أكثر من «الغرانج». رايتشل زو، لمن لا يعرفها هي من أشهر خبيرات الأزياء في العالم، وتأثيرها على شارع الموضة لا ينكره أحد، فهي التي كانت وراء موضة النظارات الضخمة والفساتين المنسابة الطويلة والقد النحيل إلى حد الانوركسيا. وهي أيضا التي غيرت صور العديد من النجمات الشابات وجعلت مجلات الموضة تتسابق على نشر صورهن في صفحاتها، ونذكر من هؤلاء ميشا بارتون، نيكول ريتشي، ليندسي لوهان وأخريات. وفي ظل تأثير ثقافة النجمات على حياتنا وانتعاش سوق «الفينتاج»، كان لا بد أن تصل هذه الموضة إلى شوارع الموضة، أي إلينا.

فالموضة، يجب أن تخدم مزاجك وأسلوبك وأيضا اللحظة التي تعيشين فيها أو تتطلعين إليها، وإن كان القاسم المشترك بين العديد من المصممين وبيوت الأزياء، بغض النظر عن اختلاف الوجهات والتاريخ والوسائل، رغبتهم بإدخالك عالما فيه مغامرة وجرأة، لكن تتوفر فيه كل عناصر الأناقة الراقية والهادئة، وهذا ليس وحده ما يفرق هذه الموضة عن أمها، وليدة الستينات، بل هناك فروقات واضحة وأساسية أخرى، منها أن الشعر المجعد والمنكوش مثلا يغيب ليحل محله شعر مرتب وماكياج هادئ وإكسسوارات، قد تبدو للوهلة الأولى ساذجة، لكن بالاقتراب منها ستلمسين مدى فنيتها وبعد خاماتها عن أي شيء ساذج أو بسيط.

وبعبارة أخرى، ليس هنا أي شيء يدل على اللامبالاة النابعة من فلسفة أن الجوهر أهم من المظهر، بل هي لامبالاة مدروسة تركز على حسن المظهر حتى في السفر، وهادئة حتى عندما نعانق الجانب المتوحش فيها، مثل النقوشات المتضاربة أو تلك المستوحاة من الحياة البرية وألوانها. والمهم دائما هو أن تمنحنا الراحة والثقة بالنفس، وهو الأمر السهل هنا، لأنها موضة تخفي الكثير من العيوب في الصيف لانسيابتها.

ومن جانب آخر، فإن الكثير من النساء لا يتحمسن لموضة الصيف، فهناك من ترتاح في الألوان الغامقة والملابس المحددة والمفصلة التي تشعرها بالاحتواء ولا تطيق الألوان الصاخبة والمتوهجة. وهناك من لا ترتاح في الملابس القصيرة ولا تدخل خزانتها أبدا، كما هناك من لا تحتمل الفساتين الطويلة وموضة البوهو وغيرهما من الأساليب التي تظهر على السطح كلما ازدادت حرارة أشعة الشمس، لأنها إما تغمرها جسمها الناعم، أو تجعلها تبدو مدورة بشكل لا يطاق. طبعا هناك أخريات ممن يشتكين لأسباب أخرى، منها أن ملابس الصيف تفضح شحوب بشرتهن، خصوصا في حضور أخريات لوحتهن أشعة الشمس أو حبتهن الطبيعة الجينية ببشرة برونزية، أو من الكيلوغرامات التي تسحبت وتراكمت في غفلة الشتاء، أو من بروز عيوب أخرى كانت مخفية تحت عدة طبقات متعددة من الملابس. إذا كنت واحدة من هؤلاء، لا تقلقي لأنه بإمكانك تطويع الصيف لأسلوبك وليس العكس

ومن هذا المنطلق تعبر مجموعة ربيع وصيف 2011 عن أجواء لا دولتشي فيتا، فهي تستحضر أجواء العطلات وهي مرادف للأناقة والأسلوب الأسطوري للأرستقراطيين البوهيميين مثل أناقة تاليثا غيتي في طنجة وماريسا بيريسون Berenson في «إبيزا» في أواخر الستينيات، وأظهرت غابرييلا كورتيز الايطالية المولد والباريسية بالتبني نزعة لتصميم الأزياء في مراحل طفولتها المبكرة. برز ذلك التوجه من خلال شغفها بفن التطريز وخياطة جدتها الهنغارية الأصل،كطالبة فنون، سافرت غابريلا إلى باريس في سن الـثامنة عشرة لتعلم الفرنسية. وخلال سنواتها الأولى في باريس سافرت إلى مختلف أنحاء العالم وقررت لاحقاً قضاء عدة سنوات في اندونيسيا، أثناء إقامتها في بالي اكتشفت غابرييلا فن «باتيك» Batik وهي حرفة قديمة للطباعة على القماش. مثل ذلك الفن محوراً رئيسياً ومصدراً للإلهام بالنسبة لها وطورت مهاراتها في تصميم الطبعات والألوان المتقاربة ومزجها بمجموعة متنوعة من التصاميم وقامت بتسويقها بعد عودتها إلى فرنسا في عام 1992 ومن هنا كانت نشأة «أنتيك باتيك» Antik Batik، واصلت غابرييلا شغفها بالترحال وكانت تجلب معها خبرات متميزة بعد كل رحلة. مثلت زيارتها للهند محطة حاسمة بالنسبة للعلامة التجارية، هنا اكتشفت مجموعة كبيرة من المهارات القديمة التي تمارس من قبل الحرفيين الهنود، وتحديداً ما يخص المهارات اليدوية والتطريز، لذهولها بتلك التجربة قامت غابرييلا بتصميم مجموعة إكسسوارات «بريت-أيه-بورتر» pr t-a-porter المستوحاة من تلك الرحلة فالمجموعة هي قصيدة تعبر عن الطبعات بشكل يعكس جوانب من الأعراق أو الجماعات أو فترة السبعينات.. فألوان هذه المجموعة مريحة للعين وللمتذوقين، وهي تتبنى الألوان المشرقة وألوان المشروبات الإيطالية الرائعة، يظهر الحرير في كل جانب وتبرز قطع الشيفون والساتان والكريب وغيرها، وكلها تتميز بالخطوط المتدفقة الراقية. إلى جانب بلوزة الحرير المصبوغة يمكن ارتداء الشورت أو سروال في كتل براقة من الألوان تعكس صورة مشرقة وأنيقة بشكل ملفت.

أما قطع التريكو فتعود بقوة: من الأنواع العادية والناعمة جداً والمتطورة مع مزيج من الحرير والقطن، وتزين القطع المطرزة بزخارف تقليدية كزخارف «آي كات» ikat. أو يمكن اختيار قطع مختلفة كلياً مثل الجاكار السميك جداً ذي الزخارف المكسيكية. أما السترات القطنية فهي مستوحاة من الطبعات والرسوم اليابانية، الإكسسوارات تعبر عن ذكريات السفر. الريش والشراشيب والتطريز تعكس فولكلور الهنود الحمر. أما حجر الراين والترتر قزحي اللون فيعبر عن سحر الشرق.