«الشيخوخة لا تحمي من الحب، ولكن الحب يحمي من الشيخوخة»، «هناك وقت للعمل ووقت للحب، وليس للمرء عدا ذلك وقت»؛ كلمات تختصر المصممة العالمية كوكو شانيل وفلسفتها الخاصة عن الحياة والحب والعمل، ومن خلال خبرتها التراكمية وحسها الذواق لما حولها، نسجت من مشاعرها وعواطفها المتأملة إبداعات ثورية في عالم الموضة، لتؤسس مدرستها الخاصة بذائقة متفردة في الشكل والمضمون، واليوم بعد اثنين وأربعين عاماً من رحيلها، أصبحت مسيرة حياتها مادة لحوالي عشرة كتب وفيلمين، «كوكو قبل شانيل» عن قصة الكاتب البريطاني (كريس غوينالف)، وعلى الرغم من كل إنجازاتها كسيدة أعمال ومدافعة عن حقوق المرأة، فإن هذه الأفلام تركز بشكل شبه حصري على ارتقائها من حياة الفقر في فرنسا إلى قمة عالم الأزياء المتألق، على الشاشة، ومن جانب آخر كانت صديقة لبيكاسو وجان كوكتو وصديقة وعدوة للروائية الفرنسية كوليت في الوقت نفسه، من بين عشاقها الضابط النازي هانز غونتر فون دينكلاج، وسترافينسكي كما يزعم، ودوق ويستمنستر الثاني.

واستعمال كوكو شانيل نسيج التويد الصوفي الذي لم يكن مسبوقا في الأزياء النسائية في ذلك الوقت، كانت قد استوحته من رحلات صيد السمك في اسكتلندا برفقة الدوق، تقول سوزي منكيز، محررة الأزياء في صحيفة ذا إنترناشونال هيرالد تريبيون: «خلفية كوكو شانيل غامضة، وكان لها عشاق مرموقون مثل دوق إنجليزي وكونت روسي، والأهم من ذلك أنها أصبحت رمزا مستداما للموضة الأنثوية. لقد صنعت نفسها بنفسها وأسست دار أزياء حررت النساء من المشدات والزخرفة النسائية التقليدية.

غابرييل بونور شانيل جاءت من وسط شوارع فرنسا لتصنع ثورة في عالم الأزياء النسائية وتحررها من القيود، كانت ابنة غير شرعية لبائعة متجولة من اللاتي لا يعرفن الشيء الكثير عن الحياة المستقرة والراحة، ماتت أمها عندما كانت في السادسة من عمرها، ولم يمر وقت طويل حتى هجرها أبوها أيضا، نشأت في ملجأ للراهبات، حيث تعلمت هناك أصول تفصيل وخياطة الملابس، اذ قررت الاعتماد على نفسها في حياتها الصعبة، وفرضت نفسها كامرأة في مجتمع خاضع للهيمنة الذكورية؛ فهي من مواليد عام 1883، تعلمت الكثير عن قواعد الإتيكيت الذي اثر في سلوكها بعد ذلك في مجال عملها الوظيفي، وعندما أصبحت شابة تركت الدار هي وأختها ليبحثا عن مصدر رزق، فاشتغلتا في اتيليه للملابس صباحا ومقدمات اسكتشات مساء في حانة، وكان الاسكتش المعروف باسم كوكو، وهو الاسم الذي التصق بها طيلة حياتها، ومن خلال السهرات هناك ذهبت أختها لتعيش مع أحد الأثرياء في العاصمة باريس، فقلدتها جابريل وذهبت لتعيش في قصر ثري آخر، وتعرضت هناك لمذلة منه لأنه كان يعاملها كالجارية، وكذلك لاقت سخرية من أصدقائه وصديقاته الضيوف الدائمين في سهرات القصر، إلا أنها صادقت واحدة منهن وهي ممثلة مسرحية معروفة صنعت لها بعض القبعات التي لاقت إعجابا لا مثيل له، ما فتح لها باب العمل في هذا المجال، ونظرا إلى خبرتها السابقة في عالم الأزياء ومحاولاتها المستمرة لتنمية موهبتها من خلال الجهود الفردية، بدأت في إبداعها الفني، خصوصا أنها أصبحت تكره أن تعيش عالة على هذا الثري.

في العام 1910 تعرفت إلى (آرثر كابل) الذي عاشت معه قصة حب كبيرة، وقبيل الحرب العالمية الاولى قررت تصميم القبعات والملابس، في وقتٍ كان فيه دخول المرأة معترك العمل مرادفاً للعار والفضيحة، لكن آرثر كابل شجع كوكو في ميلها هذا ودعمها ماديا، فبدأت النساء تتردد على متجرها بدافع الفضول، وبعد الحرب العالمية الثانية نصحت النساء كنوع من التقشف بالاهتمام بالفساتين السوداء والجيرسي الصوفي المحبوك، وكانت تتفاءل بالرقم (5) فابتدعت عطرها المسمى (شانيل 5)، وفي البداية كان لها بوتيك واحد في باريس، لكنها فيما بعد توسعت فروعها في مدن أخرى، وكانت أسعارها باهظة بسبب أساليبها المستحدثة ونفحتها المميزة، وفي سنة 1988 حصل تغيير كبير في مظهر النساء في أوروبا.. قصصن شعرهن ولبسن التنانير التي وصلت الى الكاحل وتخلين عن ارتداء المشد. وتماشيا مع هذا التغيير، استعملت كوكو في تصاميمها قماش الجرسي الذي يوفر الراحة وحرية الحركة، والذي كان يستعمل حتى ذلك الوقت فقط في الألبسة الداخلية، وبعد موت آرثر أحست كوكو بوحدة وحزن كبيرين انتشلتها منهما صديقتها (ميزيا) التي ساعدتها على التعرف إلى الطبقة الباريسية الراقية. في سنة 1921 اطلقت عطرها الاول الذي يحمل الرقم (5) وهو خليط من (80) رائحة زكية، ومع بداية الثلاثينات أصبحت من عظيمات باريس.. (700) شخص من مشاهير باريس يرتدون مبتكراتها، وشانيل التي سيطرت على الأغنياء فرضت موضة ألبسة الفقراء واللون الأسود الذي كان حتى هذا الزمن لونا للحداد والحزن، كانت من اوائل النساء اللواتي روجن قضاء عطلة الصيف على (الكوت دازور)، مؤيدة بذلك البرونزاج والحركة والشمس، وفي منتصف الثلاثينات أصبحت كوكو شانيل تبيع (28) ألف ثوب سنويا في أوروبا وأميركا والشرق الأوسط، ويعمل في مشاغلها الخاصة (4000) عاملة.