«إن لم تختلف الأذواق لبارت السلع»، مقولة تنطبق تماما على عطور عبد الله أجمل ، الأنف التي استنشقت على مدار سنوات المئات من أنواع العطور وللحكم عليها، أدرك أن ردة الفعل تجاه عطر ما قد ترتبط بأمور غريزية، وفي أثناء عملية تقييمه لها، لا يحاول إخفاء تفضيله لعطر معين.
ومن جانب اخر يتمتّع عبد الله أجمل بميزة كونه الأول في الجيل الثالث الذي ينضم الى أعمال العائلة. وبعد أن خدم الأعمال بأشكال شتى، شق عبد الله طريقه صعوداً، وبات اليوم يشغل منصب مساعد مدير عام «أجمل للعطور»، في صميم مسؤولياته إدارة شؤون الشركة والتخطيط الاستراتيجي لتوسيع أعمالها لجهة المبيعات والتوزيع.
عن عملية تطوير العطور العربية وتركيبها يقول عبد الله اجمل : ورثت أوروبا أغلب طرقها من العرب وكان أكثر الناس اهتماما بعلم العطور هم الهنجاريين الذين أضافوا الكحول إلى صناعة العطور ،ويعتبر أول عطر يستخدم فيه مادة الكحول كمادة أساسية كان في عام 1370 وكان تكليفا من إليزابيث ملكة بولندا والذي أطلق عليه فيما بعد ماء هونجاري نسبة للهونجاريين، ومن الملكات اللاتي اهتممن بصناعة العطور كاترين دي ميديشي ملكة فرنسا التي كلفت صانع العطور الخاص بها(رينى لن فلورينتن) بإدخال أنواع جديدة من العطور ولكن لم يعرف أى شئ عن طرقه وذلك لسرية مختبره، خلال عصور النهضة تمكنت فرنسا من السيادة في مجال صناعة العطور فقد كان يصنع في جنوب فرنسا أهم العطور ومستحضرات التجميل العالمية، وعرفت طائفة في فرنسا خلال القرن السابع عشر باسم (صناع العطور) والتي كان لها تأثير ضار في بعض الحالات حيث كانت تستخدم مواد سامة في صناعتها للعطور فعلى سبيل المثال توفيت إحدى الأميرات الفرنسيات بسبب استخدامها للعطور في تجميل بشرتها والتي أثرت على سمعة هذه الطائفة، واهتم ملوك فرنسا جميعا بالعطور فخلال القرن الثامن عشر كان الملك لويس الخامس عشر مهتم جدا بالعطور فقد كانت عربته الملكية تدهن كل صباح بالعطور وكان أثاثه يدهن يوميا بالعطور وكانت ملابسه تظل داخل إناء العطور لعدة أيام.
ولم يهتم الملك لويس الخامس عشر بالعطور في حياته الخاصة فقط بل أمر بتحويل بعض المزارع إلى مزرعة للنباتات العطرية، النهضة التي أنشأها لويس الخامس عشر جعلت من باريس مركزا مهما في صناعة العطور و زراعة النباتات العطرية، ومن الملوك المهتمين بالعطور أيضا نابوليون بونبارت ويقال أنه في وقت من الأوقات كان يستخدم 60 زجاجة من عطر الياسمين في الشهر وكان أحب العطور إليه هو عطر الجوزفين لاحتوائه على المسك العربى الأصيل، في إنجلترا لم تكن صناعة العطور شيء مهما إلا بعد مجيء هنرى الثامن الذى أدخل هذه الصناعة إلى إنجلترا وأيضا الملكة إليزابيث الأولى اهتمت كثيرا بصناعة العطور حيث يقال انها لم تكن تستطيع تحمل أي رائحة كريهة الأمر الذي سبب لها مرض في لسانها، وحدث التغيير الكبير عندما جاءت الكيمياء الحديثة فقد شهدت صناعة العطور تقدما عظيما بعد الثورة الصناعية الكبرى كما بدأ استخدام العطور بشكل شائع في كل طبقات الشعب بل وعندما كان سعر العطور يزيد تحدث مظاهرات في لندن، قبل وصول الكيمياء الحديثة إلى الأميركتين كانت هناك وصفة شعبية تعتمد على مياه من نهر فلوريدا (لاعتقادهم في جمال رائحته) ثم يخلط مع قرنفل وقرفة صينية وأوراق الليمون ،وتطورت طريقة صناعة العطور لتصبح استخدام مذيباً نقياً يتم استخراجه من النفط. ثم يدور هذا المذيب على تيجان الأزهار النضرة إلى أن يصبح مركزاً بالعطر، ويتم فصل المذيب بواسطة عملية التقطير. ويُنقى العطر بالكحول ويكمن حالياً تركيب العطور من مواد كيميائية بحيث تبدو وكأنها روائح طبيعية وأصبحت صناعة العطور لها شركات كبرى متخصصة في هذا المجال.
وعن مدى امكانية التطيب بالعطور يضيف عبد الله : يقال إنك حين تقرأ رواية «العطر» لباتريك زوسكيند يصيبك شيء ما في أنفك!.. والدليل أني منذ أن قرأتها أمتلك أنفاً بوليسياً!.. (غرنوي) بطل الرواية كان يملك أنفاً معجزة بحيث يمكنه أن يسرد عناصر العطر الذي يشتمه من أول مرة!.. حتى دون أن يضطر لدراسة تاريخ الفراعنة مبتدعي العطور.. حيث كانت طقوسهم الدينية ذات رائحة مميزة لرشوة الآلهة !.. وبالطبع كان الكهنة هم من فكر وابتكر وأنتج فهم لا يعطرون قرابينهم فحسب وإنما تنص عاداتهم على أن يدهنوا ملكهم بزيوت عطرية قبل تتويجه.. ويحنطون موتاهم بها لاستقبال حياة ثانية برائحة طيبة !
ويؤكد اجمل انه ومن خلال خبرته العملية والعلمية في العطور وتركيباتها، بأن ما يشاع بأن لدى بعض العطور خواص معينة قد تفيد الإنسان، مثل قدرة بعضها على التنشيط الجنسي هو خرافة لا يدعمها العلم الحديث، لكنه يؤكد في الوقت نفسه بأن زيت الورد القوي قد يتسبب بظهور الشيب أو الشعر الأبيض، وأن العطر الجيد يحسن المزاج. فالإنسان فطر على الجمال وعلى الأشياء الجميلة ومنها الرائحة الطيبة التي تخلف أثرا كبيرا في نفسيته. كما لا ينفي الاعتقاد بأن لكل جسد رائحته الخاصة، مشيرا إلى أن رائحة العطر الواحد يمكن ان تختلف باختلاف مستخدمها لتعطي احتمالات ونتائج متنوعة، وهذا الاختلاف والتمازج على حد قوله هما جزء لا يتجزأ من متعة العطر التي يتشاركها صانعه مع مشتريه. أما الأماكن التي يتسوق منها صناع العطر عادة لشراء مواده الأولية، فهي مختلفة وتضم كل بقاع الأرض، وإن كانت هناك أماكن مفضلة لكل مكون. فإسبانيا وجنوب فرنسا، مثلا، تتوفران على أفضل أسواق الورود والأعشاب المستخدمة في صناعة العطور، بينما تتوفر الهند والصين وكمبوديا على مكونات أخرى مثل العود الذي يعد أغلى المكونات في صناعة العطور الشرقية على الإطلاق، وتزيد قيمته كل ما كان معتقاً وكانت رائحته أكثر ثباتاً، وكذلك الورد الطائفي.
ويتابع، ان طريقة التعطر بدورها تختلف من شخص لآخر، فهناك من يكتفي بوضع نقاط قليلة على نقاط معينة من الجسم، وهناك من يرش عليه العطر بسخاء «والحقيقة أن السر في بقاء الرائحة وشذاها، ليس في الكمية، لكن في استخدام العطر الجيد المحفوظ بشكل جيد، كما أسلفنا، وبالتعطر في مكان بارد بعيداً عن الشمس والحرارة التي تبخر الكحول الذي يحتويه وتفصله عن مكوناته الأخرى». كما ينصح بتعطير الثياب قبل لبسها، وأن يتم تبخيرها في مكان بعيد عن الشمس لتحتفظ برائحة قوية وثابتة. أما ما يقال عن أن أفضل طريقة للتعطر هي بوضعه على أماكن النبض، فيقول بأن هذا ليس ضرورياً، وأن الأمر لا يتعدى كون أماكن النبض خلف الأذن وعلى وريد العنق، والمعصمين هي أماكن يكون الجلد فيها مكشوفاً ولهذا تظل الرائحة فيها أطول. ولحكاية البخور بداية مثيرة، كما يقول القاسم، فالآثار القديمة تفيد بأن الورق الذي غطى به سيدنا آدم عليه السلام جسده حين نزل الى الأرض كان عبارة عن أوراق شجرة العود المستخدمة في صناعة البخور، ومن هذه البداية الأسطورية يبدأ عود البخور رحلة طويلة طيبة السمعة والرائحة تتوقف في محطات مختلفة من شرق آسيا والهند وبنغلاديش وماليزيا واندونيسيا والفلبين ولاوس وفيتنام وغينيا تحديداً. وأصل هذا العود يستخرج من أشجار خاصة تنبت في المناطق المرتفعة، ويطلق رائحة عطرة زكية عند حرقه.
