لم تعد أسابيع الموضة تقتصر على عروض أزياء موجهة للمرأة أو للرجل فقط، فقد تعدتهما إلى فلذات أكبادنا، فالأطفال أصبحوا جزءا متوقعا خلال هذه الأسابيع بدليل أسبوعي الموضة الدنماركي والنيويوركي الأسبوع الماضي والذي خصصت فيه فترات مهمة لعرض أزياء خاصة بهم، وإن كان الهدف منها جمع التبرعات لصالح جمعيات خيرية تعنى بالأطفال، فمع تغير الثقافة الاجتماعية والخريطة الشرائية التي أصبح للمرأة فيها نصيب كبير، كان من الضرورة ان يطال هذا التغيير أزياء الأطفال بزيادة اهتمام المصممين بهم لإرضاء الأم أولا وأخيرا قبل الطفل، فالمرأة ترى ان الأناقة يجب ان تكون متكاملة، بحيث تشمل مختلف مناحي حياتها، بدءا من ديكور بيتها الداخلي، الذي تعتبره تاريخيا مملكتها الخاصة، إلى اكسسواراتها وبالطبع فإن مظهر طفلها في حلة اقل من حلتها، سينقص من قيمة ما قضت أياما في اختياره وصرفت مبالغ طائلة من اجله، عدا متعتها وهي تتسوق له أو معه.

ورغم ما يثيره مظهر الأطفال وهم يحاولون التشبه بالكبار على منصات العروض بحركاتهم البريئة، من مشاعر الأمومة أو الأبوة داخل البعض، أو فقط الابتسام وشهقات الإعجاب لدى البعض الآخر، فإنه أيضا يثير مشاعر الغضب والاستنكار لدى شريحة من الناس، منطلق ان هذه العروض تستغل براءتهم وتقدمهم إلى عالم بعيد كل البعد عن البراءة، بل قد تهدد مستقبلهم ونظرتهم إلى الحياة على المدى البعيد إذا لم يتلقوا دعما وتوعية من أسرهم. تقول سوزان فيريس، إحدى مؤلفات كتاب «حول الموضة»: أمر مقلق عندما يتم التعامل مع الأطفال أو تقديمهم في صورة بالغين، فهم يبدون مثل الدمى أو دمى متحركة.. عروض الأزياء خاصة بالكبار وليس الصغار، والأمر المزعج أنها تجعلهم مادة الهدف منها أساسا إدخال المتعة علينا نحن الكبار.

هذه الاستنكارات لم تمنع مشاركة حوالي 50 طفلا تتراوح أعمارهم بين 4 و12 سنة تم اختيارهم من بين 250 مرشحا متطلعا لدخول هذا العالم الساحر (رغبة منهم أو بإيحاءات من أمهات طموحات) في العرض الذي شهدت جاب روك ستار فور أداي على منصة عرض الأزياء في دبي مول.حيث تذوق الأطفال الإماراتيون طعم الشهرة في تجربة سيكتشفون من خلالها كيف تكون عليه حياة نجوم الروك مع هذا الحدث العائلي الفريد الذي قدمه المذيعان الشهيران توم ودان من محطة «دبي 92» الإذاعية على وقع أنغام أفضل أغاني الروك.

وذلك تحت فريق من أخصائيي الموضة على تحويل المشاركين الصغار إلى نجوم روك في ردهة خاصة تعج بأدوات المكياج، ومثبتات الشعر، والحلي البراقة، وغيرها من مستلزمات العرض مثل الشعر المستعار، والنظارات الشمسية وإكسسوارات أخرى.ومن جانب آخر التقط المصور الفوتوغرافي بينك بيبر صورة شخصية لكل نجم روك صغير ضمن استوديو مصمم خصيصاً لهذا الغرض مع إهدائه الصورة في إطار خاص يحمل شعار علامة «جاب» التجارية.

الملاحظ خلال هذا العرض أيضا أن بعض الأطفال بدوا وكأنهم يلعبون لعبة ممتعة أو يمثلون مسرحية استعراضية بحيث تخايلوا أو رقصوا على المنصة وهم يرسلون قبلات في الهواء، بينما بدت علامات الخوف وعدم الثقة على البعض الآخر، بل إن واحدا منهم كان يبكي وهو يمشي على المنصة. وحسب العديد ممن يتعاملون مع الأطفال خلف الكواليس، فإن القول بأنهم مجرد دمى أو بيادق في أيدي الكبار خاطئ، بل العكس صحيح، فهم أصعب مراسا ويعرفون ما يريدون تماما وما يرتاحون فيه، ويرفضون ما لا يروق لهم حتى وإن استدعى الأمر الصراخ والبكاء، فهم حتى في ذلك السن الغضة يتعاملون مع الأزياء بطريقة أكثر عقلانية من الكبار ويحاولون التعبير عن شخصياتهم الخاصة من خلالها، حيث اعتلى نجوم الروك الصغار المنصة إلى جانب مغنين محترفين؛ وحصل كل منهم على حقيبة من الحلوى اللذيذة من «تيكلز آند جيجلز» تتضمن غزل البنات، والفشار، وعبوات العصائر المنعشة، والماء، وآلات جيتار بلاستيكية منفوخة ليصطحبوها معهم خلال هذه الفعالية الإبداعية مما لا شك فيه حسب أرقام المبيعات، أن صناعة أزياء الصغار، عرفت انتعاشا كبيرا في السنوات الأخيرة، وأصبحت هي الأخرى تحمل أسماء ماركات عالمية تعكس ثمنها المرتفع، كذلك حسب مسح قامت به مؤسسة «مينتيل» في عام 2010، كانت نتيجته أن مصاريف الأسرة البريطانية على أزياء أطفالها ارتفعت بشكل ملحوظ، إلى حد ان الدراسة تتوقع أن تقدر هذه الصناعة بـ 6,1 مليارات جنيه استرليني في عام 2009، أي ارتفاع بنسبة 26%.

ولا يختلف الأمر بالنسبة لمثيلتها بالولايات المتحدة، وإن كانت تتقدم بخطى حثيثة، إذ يتوقع ان تزيد بنسبة 13% في عام 2009 حسب تقرير «يورومونيتور». في المقابل يرى الخبراء والمراقبون أنها أصبحت تنافس صناعة ملابس الرجال، بل وحتى النساء، لذلك ليس غريبا أن يصبح للصغار عروض أزياء خاصة بهم، وأيضا مجلات تخاطبهم، أو بالأحرى تخاطب روح الطفولة الكامنة بداخل أمهاتهم وآبائهم. وكان لابد ان يرافق هذا التطور والازدهار ارتفاع في مستوى الابتكار، الذي لم يعد يقتصر على أنواع الأقمشة المستعملة، التي كانت غاية الترف فيها في السابق استعمال صوف الكشمير، أو على الألوان، الوردي للأنثى، والأزرق السماوي للذكر، بل أصبحت عبارة عن نسخ مصغرة لملابس الكبار، مع احتفاظها بلمساتها الطفولية المعتادة التي تمرح بالرسومات والنقوشات الجميلة. المهم ان أزياء الصغار اصبحت واقعا لا يستهان به بالنسبة للبعض، وتفرض واقعا لا مهرب منه بالنسبة للبعض الآخر.

أما بالنسبة لأكبر دور الأزياء والمحلات المترامية في شوارع الموضة على حد سواء، فهي الدجاج الذي يبيض ذهبا، خصوصا مع تنامي تأثير المشاهير على الحياة العامة، فكل ما تقوم به النجمات والنجوم يصبح تقليدا يحتذي به في الشارع. ولا يخفى على اي متتبع للموضة أو قارئ لصفحات الفن والمجتمع، أن الظاهرة التي اجتاحت أوساط النجمات في السنوات الأخيرة هي الأمومة، إذ يبدو وكأنهن يتنافسن للحصول على هذا اللقب، لأن الطفل الذي يحملنه بين أذرعهن أو يمسكنه بأيديهن أغلى وأجمل إكسسوار يمكن ان يتباهين به، وبالتالي كلما كان «على الموضة»، انعكس المظهر عليهن. وليس أدل على ذلك من صور مادونا وهي تتسوق مع طفلتها لوردز في محلات «بيربري» أو طفلة العارضة كايت موس وهي تلبس تنوره من تشكيلة «روبرتو كافالي» للصغار، و«تي ـ شيرت» من تشكيلة «دولتشي اند غابانا»، أو طفلة النجمة غوينيث بالترو في زي من «هيرميس»، أو «إسكادا»، كما نستحضر هنا صورة العارضة هايدي كلوم في فستان زفافها الذي صممته «فيرا وانغ»، والنسخة المصغرة عنه تماما، الذي حضرت به طفلتها المناسبة.