رسام ونحات وممثل وكاتب وقريب من عالم الشعر والقصيدة، وحينما يدخل المرء مقر مسرح الشارقة الوطني فإنه سيراه وهو يتحدث عن أمر مختلف تماماً، مع مجموعة من أصدقائه والمقربين منه، ولابد أن يقول له: نعم لقد أصبت يا دكتور محمد.

وغالباً ما يكون حديثه ذا صبغة فيها روح الفكاهة، فهو متحدث ذكي وسريع البديهة، ويلتقط حس النكتة، ويصدرها للآخر بكلمات مختصرة، وفي ندوات أيام الشارقة المسرحية النقدية والفكرية يتحدث بمنتهى الحب عن أخطاء الشباب، وعن المزايا التي تجعل الجميع يحترمون رأيا يقوله الدكتور محمد يوسف؛ لأنه مبني على الحب والمصداقية..

 

هو الدكتور محمد يوسف الرجل الأسمر الذي لا يغيب عن أي نشاط ثقافي في الإمارات؛ لأنه منتج ثقافي ذو فعالية في مجالات عدة، وعلى رأسها الفنون التشكيلية، ولجهوده الكبيرة في هذا السياق استحق جائزة الدولة التقديرية قبل عامين، وهي لا تعطى إلا للأسماء الفعالة والمتحركة في الوسط الثقافي الإماراتي.

وربما سبقته أسماء إلى هذه الجائزة، ولكنه يرى فيها على حد تعبيره وسام الدولة التي يتغنى بحبها وقوتها وحضورها العالمي في معظم المجالات، وبالرغم من تنوع نشاطاته وكثرتها فإنه يشكو من وقت طويل يمر عليه وهو يحبذ أن يكون قريباً من عوالمه التي اختار أن يكون فيها، وما أكثرها.

جيل القاهرة

ينتمي الدكتور محمد يوسف إلى جيل القاهرة او الشباب الوطنيين الذين قدمتهم القاهرة للوسط الثقافي الإماراتي، بعد أن درسوا هناك تعليمهم الجامعي والعالي، وتخرجوا بحيلة فكرية متميزة، ويؤكد الدكتور محمد أن هذا الجيل أسس الثقافة والفن والمسرح في الإمارات، وثمة جيل جاء قبله من الكويت هو الذي اشتغل على البنى التحتية، ولكن لجيل القاهرة حضور وبصمة في المجالات الثقافية والمسرحية والفنية في الإمارات.

وكان في السبعينات من القرن الماضي، أول مونولوجست في الإمارات قدم مقاطع نقدية ساخرة، وتربطه بهذا السياق رحلة شراكة مع المؤسس عبدالله مبارك في السبعينات من تلك الفترة، وقد لفت الدكتور محمد النظر إلى صوته، وهو يغني كلمات أغاني ومقدمات مسرحيات مسرح الشارقة الوطني في تلك الفترة، ولكن هذا على حد تعبيره لم يغره ليكون مطربا، وبالأساس هو لم يقدم نفسه ضمن هذا السياق.

 

حس الممثل

يؤكد الدكتور محمد أنه دخل المسرح من أوسع أبوابه، ولكن حس الممثل ظل يطارده؛ لذا هو عمل في عدد من المسرحيات التي أنتجها مسرح الشارقة الوطني كممثل فقط، ويؤكد أن ابتعاده عن المسرح كممثل الآن ليس إراديا؛ لأن عروض العمل خفت كثيرا عليه من قبل معظم المخرجين في الساحة، وإن كان أكثر من عمل معه بين المخرجين هو المخرج الشاب محمد العامري وربما هم.

ويقصد المخرجين، يخشون من لقب الدكتوراة الأكاديمي الذي يحمله، أو يخافون من طلب تقديم أدوار معينة منه؛ نظرا للقب الأكاديمي، وهو على العكس من هذا يريد أن تتم الاستفادة من خبراته في التمثيل والمسرح على أكمل وجه، فلديه الكثير ليقوله وليساعد فيه الآخرين بحال من الأحوال، وهو يتساءل في رده المباشر على هذا: «لا أعرف لماذا يبتعد الناس عني، ويخافون ان يطلبوا مني أن أعمل في أعمالهم المسرحية».

 

مسؤولية الإخراج

لم يفكر الدكتور يوسف في الإخراج للمسرح؛ لأن هذه وحسب رأيه مسؤولية كبيرة، هو على غير علم بتضاريسها، ويهاب الدخول فيها، منوها انه يتعاطى مع التمثيل أيضا من باب الموهبة، وليس الاحتراف على الإطلاق، وفي كل الحالات علاقته مع المسرح يحركها الإحساس به وبحيويته.

وبكل ما يحدث فيه، منوها في الوقت ذاته ان هناك مواهب جيدة في الإخراج في الإمارات التي تقدم تصورات وخيارات مهمة على صعيد العروض المسرحية، ولكن ثمة ما ينقص تبلور التجربة المسرحية في الإمارات، والتي تصب كل ينابيعها في أيام الشارقة المسرحية، فهو يرى أن هناك إغراقا لتجربة المسرح الإماراتي بالتنظير، والمسرح لم يقترب من الناس بالمعنى المباشر للكلمة، بل على العكس أسهمت بعض العروض في إبعاد الناس عن المسرح، وثمة هم جمالي يطغى على الهموم الفكرية التي يجب معالجتها.

وبالتالي فإن ما يقال صار أهم مما ينفذ، وفي بعض الأحيان يكون أقل أهمية فيأخذ طابع الثرثرة... وهذا بحال من الأحوال يجعل هذا اللقاء المسرحي الكبير المدعوم بسخاء غير محدود من قبل صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، راعي المسرح والمسرحيين في العالم العربي، يجعله بحاجة إلى جدولة وإعادة تقديم لوجهات نظر فنية وفكرية مختلفة، والمسرح عندنا لا يقترب من المشهد الفني المتوقع له، بدون أن ينفي المرء وجود تجارب مسرحية ناضجة جدا وهي قليلة، وتجارب أخرى بعيدة تماما عن هذا الأمر.

 

اللوحة والفرشاة

وعن علاقته مع اللوحة والفرشاة والألوان هذه الأيام يستذكر محمد يوسف كرسام طفولته كثيرا، ويراه المرء يقضي وقتا طويلا أمام اللوحة يستذكر تلك الطفولة النزقة عبر اللوحة، وهذه الحالة التي يمر بها هي حالة غريبة، ربما لا تنتمي لبقية الأيام التي يعيشها يوميا.

ويعتقد أن هذه الحالة هي ردة فعل ما على هذه الأيام، منوها أنه لا يريد أن يستوعب ما يجري من حوله من متغيرات في العالم العربي، بل على العكس هو يرغب أن يكون هناك هامش واسع من التجربة الشخصية المتعلقة بزمن جميل يحبه، لافتا ان الفنان عندما يغادر إلى مناطق حميمة في حياته، وإلى أزمنته البعيدة، او القريبة، فهو حتما يحاول استعادة تفاصيل لها علاقة بالطيبة والحب والخير والجمال المشتهى في عوالم الذاكرة، والتي لا يجدها بأقل حضور لها في الواقع المعاش.