الفنان في أي مكان في العالم تسلط عليه الأضواء، ويكون محط اهتمام الطبقة الحاكمة، ودائما تحرص الأنظمة الديكتاتورية على استمالة هذه الطبقة بالإغداق عليهم بكل ما تشتهيه نفوسهم، في مقابل السكوت عن سياساتهم التعسفية اتجاه شعوبهم. وتكون النتيجة أن الفنان صاحب المبادئ والكلمة الحرة الجريئة يسير في «اتجاه معاكس» فإما أن يبيع مبادئه ويسكت ولا يحرك الجماهير بأعماله وفنه أو يتمسك بما تشربه وتكون النتيجة والثمن غالياً؛ أقله أن يجد نفسه في غياهب السجون ورهين الاعتقالات من حين لآخر. «الحواس الخمس» يسلط الضوء على أبرز الفنانين الذين دفعوا ثمن كلمتهم معاناة إنسانية داخل قضبان السجون.

آي وي وي موهبة فنية خلف قضبان الاضطهاد

انضمّ الصيني آي وي وي إلى قطارٍ لا ينتهي من خيرة الفنّانين الذين وجدوا لأنفسهم أماكن في السجون مقابل الحريّة التي كانوا ينشدونها في بلدانهم. هؤلاء، على الرغم من أنّ الحياة منحتهم مواهب خلاقة كانت لتجعل منهم نيرانا على أعلام، وتسير بهم إلى أقصى حدود الشهرة، إلا أنّهم اختاروا اتّباع مُثُلهم العليا، مُدركين تماما أنّها قد توصلهم إلى التهلكة.

يكفينا بالحديث عن آي، أن نُخبر بأنّ عمله الذي يحمل اسم «بذور عبّاد الشمس»، بقي مصدر إذهالٍ لزوّار معرض «تيت موديرن» في العاصمة البريطانيّة لندن لفترةٍ طويلة، إلى أن اضطرّت إدارة المعرض لإزالته لأسباب تتعلّق بالصحّة والسلامة. للكثير من المختصّين بالفنّ المعاصر، كان هذا العمل أشبه بلوحات المياه الليمونية، إلا أنّ ما يثير الرعب في العقل هنا ليس الانعكاسات المثيرة على سطح الماء.

وإنّما التفكير بالأجسام الصغيرة والرقيقة التي ننظر إليها، ومفهوم أنّ كلا منها يمثّل روحا، إنساناً أو حياةً كاملة. هذه الحياة التي يُمكن أن ينتج عنها زهرة عبّاد شمس تبذر آلاف الحيوات، إلا أنّها مجمّدةٌ هنا كجمادٍ أحاديّ اللون.أثناء كتابة هذه المقالة، يقبع آي في زنازين جمهوريّة الصين الشعبيّة، شأنه شأن أي مجرمٍ اقترف عملاً خارجاً على القانون، تصرّفٌ ليس له تفسير إلا أنّ التنين الصيني يعتبر أن آي هو ليس إلا بذرة عبّاد شمس لم تُغرس في الأرض.

ويُمكن سحقها ببساطة. شخصيّةٌ تحظى بشهرةٍ عالميّة، وكاريزما استثنائيّة تمّ تجريدها من إنسانيتها، وصبغها بمسحة إجراميّة للتأكيد بأنّ ليس هنالك من يُمكنه أن ينتقد الحكومة وينجو بفعلته، أيّاً كانت مكانته.لم يكن آي وي وي جزءا من الحراك الذي أطلقت عليه الصحافة العالميّة تسميّة «ثورة الياسمين» والذي أدّى إلى هذا الاضطهاد القاسي الحاصل في الصين تجاه أعلام الفنّ. ومع ذلك، لم ير هذا الفنّان العتيد ايّ ضير من استخدام لغة النقد في الحديث عن سياسات حكومة بلاده.

ففي إحدى المقابلاتالتي نشرتها له جريدة «غارديان البريطانيّة»، طلب وي وي بشكلٍ صريح من رئيس الوزراء البريطانيّ الذي كان في زيارة رسميّة إلى الصين أن يوجّه رسالةٍ إلى الحكومة تقول: «إنّ أوروبا لا يُمكنها أن تعتبر الصين جزءاً من منظومة البلدان المتحضّرة إذا لم تنتهج الحكومة أسلوبا مختلفا في التعامل مع المعارضة»، وأتبع آي توصيته قائلا: «الحريّة ليست حكرا على الغرب، وإنّما هي حقٌّ عالميّ لكلّ الشعوب».عندما نادى آي بالخاصيّة العالميّة لمفهوم الحريّة سنة 2010، لم يلقَ كلامه أيّ أهميّة في الأوساط الصينيّة.

ولكن هذا العام، عندما أعاد بنداءاته بعد ثورات الحريّة في العالم العربيّ التي رفضت أحاديّة الحكم وازدواجيّة المعايير، كان لابدّ للحزب الشيوعيّ في الصين الشعبيّة أن يُعيد حساباته في التعامل مع تصريحات وي وي.ينضمّ آي وي وي إلى مجموعةٍ من أكثر فنّاني العالم شهرةً بمواقفهم السياسيّة، والذين آثروا أن يُخاطروا بكلّ شيء مُقابل الوقوف وراء مبادئهم. ولعلّ مايكل آنجلو كان من أوائل من نادى بالتغيير الديمقراطيّ عبر مواقفه في دعم الجمهوريّة الثوريّة في فلورنسا سنة .

1529 ويشترك أنجلو مع وي وي ببعض الأعمال ذات القبول الكبير شعبيًّا. وإذا قارنت ما بين أرضيّة متحف «تيت مودرن» بلندن مع سقف كنيسة سيستينا بفلورانس، سنجد توازيًا على مستوى الشهرة والتأثير العالميّ. في القرن التاسع عشر، انضمّ الرسّام الواقعيّ الفرنسيّ غوستاف كوربيه إلى حركة «كومونة باريس»، وتوفّي في المنفى بسبب إيمانه بمبادئه.

وكان كوربيه شبيهًا بوي وي وأنجيلو، شخصيّة ذات كاريزما عالية، ليس بالإمكان إخضاعها، وعليه تمّت معاقبته بأبشع الطرق.ويبقى أمامنا الآن الإجابة عن التساؤل الأكثر أهميّة، كيف ستنتهي قصّة وي وي والكثير من الفنّانين والشخصيّات التي تمكّنت من تحقيق النجاح خارج بلدانها، إلا أنّها حُرمت من أبسط الحقوق في الوطن. أسيؤول به المطاف كأنجيلو، أي أنّه سيستعيد حريّته وفنّه بعد هزيمة الثورة الفلورنتينيّة، أم أنّه سيبقى أسير أفكاره التحرّرية حتّى تُفارق روحه جسده كما كانت حال كوربيه؟

أحمد فؤاد نجم..صور من الحياة والسجن

أثناء قضائه فترة محكوميّته لقضيّة ظُلم بها، اشترك أحمد في مسابقة الكتاب الأول التي ينظمها المجلس الأعلى لرعاية الآداب والفنون، وفاز بالجائزة، وبعدها صدر الديوان الأول له من شعر العامية المصرية «صور من الحياة والسجن» وكتبت له المقدمة سهير القلماوي ليشتهر وهو في السجن.

تعرّف نجم إلى الشيخ إمام في حارة خوش قدم، معناها بالتركية قدم الخير، أو حوش آدم بالعامية، ليقرر أن يسكن معه ويرتبط به حتى أصبحا ثنائيا معروفا، وأصبحت الحارة ملتقى المثقفين. وقد نجحا في إثارة الشعب وحفز هممه قديما ضد الاستعمار ثم ضد الديكتاتورية الحاكمة ثم ضد غيبة الوعي الشعبي، ويقول نجم عن رفيق حياته إنه أول موسيقي تم حبسه في المعتقلات من أجل موسيقاه.

عبد الحكيم قطيفان سجين المقبرة

خريج المعهد العالي للفنون المسرحية، قدم أعمالا تلفزيونية ناجحة، يمتلك الحضور الأول لدى المشاهد السوري والعربي. صريح لدرجة أنه لا يسكت عن الخطأ. اعتقل سنة 1983، بتهمة إثارة الرأي العام ضد النظام الجمهوري السوري خاصة وضد الأنظمة العربية عامة.

وأيضا حكم عليه بضع سنين كان عمره خمسة وعشرين سنة، وخرج بنهاية العام 1991 بعد قرار العفو العام. يقول قطيفان في مقابلة مع جريدة الشروق المصريّة: «تم زجي في معتقل موجود في مقبرة سورية شهيرة، وهو من أكثر السجون سوءاً في السمعة، فكل من يدخله يذوق الموت في اليوم ألف مرة، وفيه ممنوع على السجين كل شيء، القلم.. الورقة.. الكتاب.. الجريدة، غير مسموح بشيء سوى الثياب وفرشاة الأسنان». ويُضيف قطيفان في وصف الطريقة التي عومل بها وأثرها على حياته: «كنت كلما استيقظت من نومي صباحا أتلمّس نفسي.

وأتأكد أنني لم أجن، فقد كانت حالات الشيزوفرينيا تحدث أمامي كل لحظة، إضافة إلى حالات الرعب والخوف الشديد، والاستيقاظ في منتصف الليل على صراخ أحد السجناء. وفعلاً بعد خروجي من السجن اكتشفت أنني أصبت ببعض حالات الجنون، وذلك بسبب الوحوش الآدمية التي كانت تتعامل معنا، والتحقيقات اللاآدمية التي كانت تجرى معي.

 حمدي أحمد شاهد على الفساد

في مقابلةٍ له بعد رحيل النظام السابق في مصر، صرّح الممثّل حمدي أحمد أنه عانى خلال فترة النظام السابق بسبب مواقفه السياسية المعارضة، حيث إنه مُنع من التمثيل بقرار من وزير الإعلام في مصر آنذاك، ما اضطره في هذا الوقت للهجرة خارج مصر حتى يوفر النفقات لأسرته. جدير بالذكر أنّ أحمد عمل في السياسة خلال فترة شبابه، وشارك في المظاهرات ضد الملك فاروق، لافتًا إلى أنه تعرض للاعتقال لمدة شهرين تعلم فيهما القراءة وعرف جيدا معنى الحرية والعدالة الاجتماعية.

وحسب رأي حمدي لم يكن هناك فرق بين الفساد في القاهرة عام 30 والقاهرة قبل 25 يناير2011م، وأن النظام السابق نجح في إفساد الفن الذي تحول إلى وسيلةٍ لإلهاء الشعب عن حقوقه المشروعة، مشيرا إلى أن الفنانين كانوا مسيّرين لتنفيذ أهداف سياسية تخدم النظام الراحل. وأكّد حمدي احمد في مقابلةٍ تلفزيونيّة له أن «اختفاء الأفلام الوطنية التي تعزز الانتماء للوطن، وكذلك الدينية التي من شأنها أن تثبت عقيدة المواطن، كانت الغاية وراءه تربية أجيال على الفن الهابط وخدش الحياء وتدمير الانتماء للوطن.