عندما تأسس التليفزيون الرسمي التونسي في العام 1966 كانت وظائفه واضحة وهي المشاركة في التعريف بالمشروع السياسي والاجتماعي والاقتصادي للرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة والمساهمة في تثقيف الشعب وترسيخ خصوصياته المحلية في مواجهة المد القومي القادم من الشرق.
وتحديدا من مصر الناصرية، وكان بورقيبة لا يرى غضاضة من التدخل في البرامج أو في طرح بعض الافكار التي كانت سرعان ما تتحول الى اعمال برامجية او درامية او كوميدية او ارشادية موجهة لخدمة بعض قناعاته مثل حرية المرأة وتحديد النسل والتنمية الريفية وحتى تحسين الهندام وتنظيف الشوارع، ومما حقق النجاح لتلك التجربة ان بورقيبة اعتمد على بعض المسؤولين المثقفين في ادارة التليفزيون والاذاعة مثل محمد مزالي والشاذلي القليبي.
وعندما تولّى زين العابدين بن علي الحكم في العام 1987 جعل من وسائل الإعلام مجرد أدوات لتلميع صورته وتمييع المجتمع بقصد ما كان يراه وقوفا في وجه المد الاسلامي، وتحول اسم التليفزيون الرسمي إلى قناة تونس 7 في اشارة الى 7 نوفمبر 1987، ثم تداخلت الحسابات من خلال هيمنة بعض مستشاري بن علي وخاصة عبد الوهاب عبد الله على مقاليد الاعلام، واصبح القصر الرئاسي يتدخل في البرامح والمنوعات الى جانب السيطرة على النهج التحريري للاخبار، ثم برزت ظاهرة اخرى وهي دخول افراد من اسرتي الرئيس وزوجته والمقربين منهما مثل بلحسن الطرابلسي وعماد الطرابلسي وحياة بن علي ورانيا مليكة واحمد العقربي مجال الانتاج وتقديم مواد تليفزيونية مقابل الاستحواذ على مداخيل الاعلان.
الثورة تغيّر المشهد
اليوم نستطيع أن نقول: التليفزيون تحول من تلميع النظام إلى صدى ونبض الجماهير، وفي ظل الثورة اصبح التليفزيون التونسي يحمل اسم التلفزة الوطنية التونسية بقناتيها الاولى والثانية، واصبح التركيز واضحا على البرامج السياسية والحوارية التي تجمع الفرقاء تحت سقف واحد، واصبح قسم الاخبار بالتليفزيون يحدد نهجه التحريري من دون اي تدخل من الحكومة، كما تم استبعاد عدد من ابرز مقدمي البرامج المعروفين في البلاد كعفيف الفريقي وحاتم بن عمارة وهالة الركبي على اساس انهم كانوا محسوبين على النظام السابق، و منذ 14 يناير 2011 تخلى التليفزيون الرسمي عن مجموعة من انجح برامجه .
و هي «الحق معاك» و«ستاد 7» تقديم الاعلامي معز بن غربية و«سفيان شو» تقديم الممثل الكوميدي سفيان الشعرى، و«عندي ما نقلك» تقديم علاء الشابي، ويعود سبب استبعاد هذه البرامج الى ان بلحسن الطرابلسي شقيق ليلى بن علي زوجة الرئيس المخلوع كان شريكا في الشركة التي كانت تتولى انتاجها الى جانب الاعلامي والمنتج سامي الفهري.
وقال الفهري خلال ندوة صحفية عقدها لتبرئة ذمته من الشراكة مع بلحسن الطرابلسي ان المسألة كانت مفروضة عليه وانه لم يكن قادرا على مواجهة صهر بن علي، معبرا في الوقت ذاته عن استعداده للدفاع عن نفسه امام القضاء في حال توجيه اية تهمة اليه.
إدارة جديدة
كلفت الحكومة المؤقتة الاعلامي والمثقف المختار الرصاع برئاسة مؤسسة التلفزة التونسية بعد سلفه البشير الحميدي الذي تولى هذه المسؤولية بعد الثورة مباشرة، ودخل في مواجهة مفتوحة مع الصحفيين بعد اضرابهم عن العمل 24 ساعة.
وفي اول ندوة صحفية عقدها كشف الرصاع عن عجز متراكم منذ سنة 2007 في ميزانية المؤسسة يقدر بـ36 مليون دينار (30 مليون دولار امريكي) مؤكدا انه سيتم فتح تحقيق قضائي حول مسائل الفساد المالي والاداري التي شهدتها التلفزة التونسية استنادا إلى الوثائق والملفات المتاحة.
ودعا في هذا الصدد جميع العاملين الى تضافر الجهود والعمل الحثيث ومواكبة الاحداث حتى تكون المؤسسة في مستوى التحديات وتتدارك الوضع الصعب الذي تمر به خلال هذه الفترة نتيجة مخلفات الفساد الاداري والمالي الذي شهدته المؤسسة في عهد النظام السابق.
على صعيد آخر وفي نطاق الحرص على تحقيق التواصل بين جميع اطراف المشهد الوطني والاستفادة من الرأي الآخر أعلن الرصاع خلال ندوة صحفية بمقر التلفزة التونسية، انه سيتم احداث «مجلس للبرامج» تشارك فيه كل الحساسيات السياسية والمجتمع المدني والمواطنين وذلك لاخذ كل الانتقادات والاقتراحات بعين الاعتبار بما يمكن من تحسين المردود البرامجي ويسهم في الارتقاء بالذائقة العامة.
واشار الرصاع الى ان الشبكة البرامجية الجديدة والوقتية للقناتين الوطنيتين الاولى والثانية تمتد من شهر ابريل الى غاية شهر يوليو 2011 و«ستكون ذات توجه سياسي واجتماعي بالاساس باعتبار ان الفترة القادمة ستكون فترة سياسية بامتياز».
وبين ان الشبكة الجديدة ستعمل على دعم الثقافة السياسية لدى المواطن من خلال اعداد برامج حوارية ذات طابع سياسي منها «القاموس السياسي» لتوضيح المفاهيم والمصطلحات المتعلقة بالشأن السياسي الى جانب برنامج «المنبر السياسي» وذلك لفسح المجال أمام ممثلي الاحزاب للتعريف ببرامجها وتوجهاتها.
كما ستكون هناك مساحة حوارية مباشرة ايضا مع المسؤولين تتم استضافتهم حسب مستجدات الساحة السياسية لتوفير المعلومات والتوضيحات اللازمة وابلاغ الصورة الحقيقية للمواطن.
وقال إن توجه القناة الوطنية الاولى سيكون عاما يستجيب لتطلعات كل الفئات العمرية في حين ستكون القناة الوطنية الثانية بمثابة صدى للجهات وصوتا للشباب من خلال حوارات مفتوحة مع شباب الجهات للتطرق الى مشاغلهم ومطالبهم فضلا عن اعداد سلسلة من التحقيقات الميدانية داخل الجهات لنقل الصورة والاوضاع الحقيقية التي يعيشها الاهالي والشباب هناك.
وفي خصوص البرمجة الرمضانية قال مختار الرصاع إنه من المحتمل ان تغيب الاعمال الدرامية المحلية التي تعوّد عليها الجمهور التونسي في السهرات الرمضانية ويعود ذلك الى الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد وعدم توفر الوقت المناسب للتصوير.
غياب المنوعات
ويلاحظ متابعو التليفزيون التونسي بعد الثورة غياب برامج المنوعات التي كانت تحتل مساحات مهمة في السهرات ويقدم من خلالها الفنانون التونسيون والعرب اعمالهم الجديدة، وسيطرة برامج الحوار والاخبار على القناتين الوطنيتين الاولى والثانية، مما يجعل غير المهتمين بالسياسة يتجهون للبحث عن متنفس لهم في الفضائيات العربية التي تقدم المواد المتنوعة من حفلات وافلام ومسلسلات ومنوعات والعاب، ويبدو ان التليفزيون التونسي سيعاني حالة فراغ اذا حاول القطع مع الوجوه القديمة وتوقف ولو مبدئيا عن الانتاج الدرامي والمنوعاتي وبرامج تليفزيون الواقع التي كان ينتجها المقربون من الرئيس السابق
وفي حين مازالت وحدة من القوات المسلحة تحمي مبنى التليفزيون، انقسم العاملون في القطاع السمعي البصري بين من يعتبرون انفسهم ابناء المؤسسة وبين المتعاونين الخارجيين، وفي حين تم استيعاب الوجوه الداخلية المحسوبة على النظام السابق من باب الزمالة والانتماء الواحد، يجري العمل على استبعاد كل الاطراف الخارجية التي كانت تعد او تقدم او تنتج البرامج بكل اغراضها.
كما تم تجميد دفع مستحقات العام 2010 لاصحابها في وقت مازال فيه البعض لم يحصل على حقوق متخلدة بذمة المؤسسة منذ اكثر من ثلاثة اعوام.
