يحاول المسرح التونسي الذي تنفس الصعداء بعد الثورة، مواكبة اللحظة التاريخية التي تعيشها البلاد بعد ثورة تونس، من خلال طرح عدد من الأسئلة عن الدور المنتظر للفن الرابع في المرحلة الجديدة، وكيفية استعادة الجمهور لدور العرض، وعن امكانية التوفيق بين نخبوية الطرح وجماهيرية التلقي بعد ان تحرر المبدعون من قيود الرقابة، ومن الشروط المسبقة للحصول على الدعم.

 

هل سيتغير المشهد المسرحي في تونس، هل يمكن ان يعود الى ريادته على الصعيد العربي، هل سينجح في تحقيق المصالحة مع الجمهور، هل سيتجاوز مرحلة «الإفيهات» والإيحاءات الخارجة في المسرح الفردي، والتي سيطرت عليه خلال الأعوام الماضية لينتصر لعمق الفكرة ووضوح الرؤية ومتانة النص وجمالية الصورة وألق التقنيات؟ هذه الاسئلة، وغيرها تفرض نفسها هذه الأيام وبقوة على الساحة التونسية بعد ان دخلت البلاد مرحلة جديدة من تاريخها إثر ثورة 14 يناير.

يقول المخرج التونسي المعروف المنصف السويسي إن تونس دخلت مرحلة الحسم التاريخي بين ما قبل 14 يناير وما بعد 14 يناير، وان المسرح هو الحياة، وبالتالي لا يمكنه الا ان يكون في قلب التحول التاريخي والنقلة الاستثنائية، وينظر الممثل عبد الحميد قياس الى ثورة الشعب التونسي جاءت لتعيد صياغة التاريخ بشكل مغاير تحدده إرادة الشعب.

واذا كانت الثورة بالاساس ثورة شعب لم ينتظر موقف نخبه الثقافية والسياسية فإن على الإبداع والمبدعين ان يكونوا اليوم في مستوى إرادة الجماهير وفي مستوى تضحيات الشهداء، وهذا يعني ان المسرح مطالب كغيره من الفنون او ربما في مقدمة الفنون ناقلا لنبض المجتمع ولخصوصية اللحظة التاريخية.

الممثلة منال عبد القوي ترى ان المسرح التونسي سيدخل عصره الذهبي مع الثورة حيث لا رقابة ولا رقيب، وإنما كل شيء موكول الى رؤية المبدع والى ضميره الحضاري، والمسرح التونسي سيسعى إلى تحقيق أول رهان بالنسبة له وهو المصالحة مع الجمهور واستعادة زمام المبادرة في طرح القضايا التي تهم المتلقي دون التخلي عن الشروط الجمالية والإبداعية التي تعطي العمل الفني خصوصيته الفنية والإبداعية.

 

مطالب المسرحيين ويوم استشاري

خلال أول اجتماع عقدوه بعد الثورة طالب رجال المسرح التونسي من كل المناطق والاجيال والمدارس بالتنصيص في مشروع الدستور الجديد على ثقافة وطنية متعددة ذات صلة عميقة بالثقافات الانسانية التقدمية تسهم في ترسيخ الثقافة السياسية للشعب التونسي قوامها الحرية والديمقراطية ولامركزية القرار، وقالوا ان مطالبهم الجوهرية هي بالاساس مطالب هيكلية تعترف اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا بمكانة المثقف والفنان الطليعية وحقوقه المشروعة في الجمهورية الجديدة.

ومن ذلك التشديد على ربط الصلة مع الوزارات الاخرى المعنية وتكريس مبدأ احترام القانون فيما يتعلق بالشأن الثقافي باعتبار الوزارة المشرفة وزارة سيادة في مشمولاتها (وزارة التعليم العالي، وزارة التربية، وزارة السياحة، وزارة الشباب والرياضة) وتفعيل التشريعات المنظمة للقطاع في تعاملها مع المؤسسات الإعلامية والقنوات الاذاعية والتليفزيونية العامة والخاصة.

كما نادى المنضوون تحت لواء الجامعة التونسية للمسرح بالإلغاء الفوري لكل القوانين، والأوامر والقرارات والمذكرات التي تحد من الحرية وتكرّس الرقابة والترخيص المسبق والمنع والتعسف ومركزية القرار ومن ذلك الغاء تأشيرة العرض المسرحي والقانون المحدث للجنة الوطنية للتوجيه المسرحي مع تعهد المهنيين بصياغة ميثاق شرف للمهنة والالتزام بتطبيقه.

اضافة الى المطالبة بفتح ملف المتقاعدين وقدماء المسرحيــين للترفيع في جرايتهم ومنحهم وتمكينهم من ضروريات الحياة الكريــمة مع التأكيد على عـــودة المُـــسرّحين والمطرودين طردا تعسفيا إلى سالف نشاطهم مما يعزز انتماءهم وتمكين المسرحيّـين المحترفين المعطّلين والمتفرغّـــين من أولوية الالتحاق بهياكل الإنتاج العمومية مقابــل أجر شهري باعتماد سلم أجور لا يخضع إلى سـلم أجور الوظيفة العمومية بما يحفظ الكرامة, مع إمكانية التحاقهم للعمل في القــطاع الخاص في صورة عدم توزيعهم في أعمال الهياكل العمومية.

وإلغاء العمل بصيغة التعاقد عند الانتداب داخــل المؤسسات العمومية والترســيم الفوري لكافة الأعوان المتعــاقدين, مع الإبقــاء على صيغــة العقـــود العرضية التي تقتضيها العملية الإبداعية، ومراجعة القـــانون الأساسي للمسرح الوطني التونسي بإدخال التعديلات اللازمة والكفيلة بمنع التجـــاوزات الإدارية والمالية والتصرف الفردي والانفراد بالقرار.

وتعميم القانون الأساسي للمسرح الوطني التونسي بعد تعديله على مراكز الفنون الدراميــة الموجودة والمــراكز التي سوف تبــعث في الجهات, مع الإلحــــاح على تخصيص قسم للإبداع الموجه للطفل والناشئة ويـــــشرف عليه مختصّون، كما طالب رجال المسرح بالمحافظة على تمثيلية الهياكل والقطاعات المسرحية في لجنة الدعم العمومي مع التأكيد على مبدأ التداول وضمان آليات تجعل الممارسة شفافية واخلاقية.

وكان عز الدين باش شاوش وزير الثقافة اجتمع بثلة من المسرحيين ممثلين عن الهياكل المسرحية تشمل كلاً من نقابة مهن الفنون الدرامية واتحاد الممثلين المحترفين والجامعة التونسية لهواة المسرح.

 

الفاضل الجعايبي و«يحيى يعيش» والثورة

بعد خمسة ايام فقط من الثورة كانت فرقة «فاميليا» تعرض في باريس مسرحية «يحيى يعيش» للمخرج التونسي الفاضل الجعايبي، وهي المسرحية التي الفتها زوجته الممثلة والمؤلفة جليلة بكار، والجعايبي المنتمي سياسيا وفكريا الى حزب العمال الشيوعي التونسي بقيادة حمّة الهمامي، يعتبر حاليا اهم وابرز صانعي المشهد المسرحي في تونس وأكثرهم جرأة في طرح المضامين الفكرية المحركة للسواكن، ومن ذلك ما جاء في «يحيى يعيش» التي يرى النقاد أنها تنبأت بما يدور في تونس ما بعد الثورة حيث تتحدث عن مسؤول عربي معزول من منصبه الرفيع يعيش حياة العزلة والانكسار وهو يلوك ذكريات السلطة والنفوذ.

يحظى الجعايبي بشهرة عالمية جعلته بمنأى عن اي مضايقات من قبل نظام ابن علي، واستطاعت مجموعة « فاميليا» ان تكسر حواجز الخوف مبكرا من خلال مسرحيات جريئة في تناولها للقضايا السياسية والاجتماعية والحضارية في تونس، ففي العام 2006 قدم مسرحية «خمسون» التي تطرقت الى المشهد التونسي العام خلال 50 عاما من الاستقلال، ثم جاءت «يحيى يعيش»- انتاج 2010- لتضع الحاكم امام الصورة التي يخشى ان تنعكس عليه، وهي صورة العزل من موقع السلطة، وقد تسببت جرأة النص في محاولات من النظام السابق بالتدخل الرقابي انتهت بإصرار فريق العمل على الابقاء على المضمون كما هو ودون اية زيادة او نقصان.

وعند الإعداد لتشكيل اول حكومة انتقالية في تونس اتصل الوزير الاول السابق محمد الغنوشي بالفنانة جليلة بكار ليعرض عليها حقيبة وزارة الثقافة فاعتذرت عن ذلك، مؤكدة ان مكانها الحقيقي هو المسرح وليس مكتب الوزير.

 

اول عرض مسرحي بالقصرين

اول مسرحية تتحدث عن الاحداث الاخيرة التي عرفتها تونس كانت «لا يمثل» للفنان عاطف بن حسين الذي اختار تقديمها لاول مرة بمدينة القصرين احد معاقل ثورة الياسمين ثم بالمسرح البلدي بالعاصمة.

و« لايمثل» هو أول «وان مان شو» في رصيد هذا الفنان الذي كانت له مشاركة في كتابة نصه مع المسرحي فؤاد لتيم وهو من إنتاج مجموعة «الكازار بليس» وإخراج معز القديري، يقول عاطف بن حسين ان هذا العمل يعكس رؤية الممثل المسرحي للأحداث التي عاشها المواطن التونسي قبل وبعد ثورة 14 يناير من خلال التعرض إلى ظواهر اجتماعية اتسمت بمراوحتها بين الايجابية والسلبية وهي في نهاية المطاف دعوة الى جميع التونسيين للقطع مع الماضي والعمل على بناء تونس الجديدة.

يبدأ العرض بمشاهد على شاشة كبيرة أعادت الجمهور إلى أيام الثورة.. مشاهد كانت فيها الأصوات متداخلة بين احتجاجات ومطالب وانتقادات وافراح ..يقف عاطف أمام الشاشة حائرا ماذا سيقول بعد ان قيل كل شيء، يلتفت إلى الجمهور ويدخل معه في حوار يسترجع فيه ذكريات أيام الثورة من خلال مواقف عاشها التونسي واستعرضها الممثل بأسلوب نقدي ساخر فتحدث عن تفاني الجيش الوطني في خدمة الشعب واستبسال لجان المحافظة على الأحياء في الدفاع عن مجالهم الحيوي والمساعدة في القبض على المخربين والقناصة.

كما ألمح إلى الأساليب الملتوية التي اعتمدها النظام البائد لنهب أموال الشعب والهيمنة على دواليب الاقتصاد، يقول عاطف بن حسين: لقد اردت من خلال هذه المسرحية ان اعبر عن واقع جديد تشهده البلاد في ظل ثورة الياسمين التي غيرت كل شيء بما في ذلك وظيفة الابداع ودور المبدع

 

الامين النهدي وعودة قوية

قرر الممثل التونسي الأمين النهدي ان يطلق اول عمل مسرحي له بعد الثورة بعنوان «بعد الشدة يجي الفرج» بمشاركة ابن شقيقه الممثل رياض النهدي. وينكب الأمين النهدى هذه الايام على اعداد عملين مسرحيين جديدين من تأليفه واخراجه.

وأوضح الأمين أن هذين العملين من صنف المسرح الفردي وسيكونان جاهزين للعرض خلال شهر على أقصى تقدير وأن فريق العمل يكثف من تمارينه للغرض.

العمل الاول يقوم باداء دور البطولة فيه ابنه الممثل الشاب محمد على النهدى. والمسرحية تطرح رؤية نقدية لتفاعل شاب تونسي مهاجر مع الثورة اثر عودته الى الوطن بعد أن واكبها عن بعد عبر شبكة التواصل الاجتماعي الـ«فيس بوك».

أما العمل الثاني فهو من أداء وحيدة الفرشيشي وهي وجه مسرحي صاعد اختارها النهدى لتكون بطلة العمل لما تتميز به من طاقات تعبيرية وحضور حركي لافت حسب قوله.

ويُعتبر الامين النهدي نجم الكوميديا الاول في تونس، حيث قدم اعمالا للسينما والتليفزيون ولكن حضوره المسرحي كان الاهم حيث واصل لمدة 6 اعوام عرض مسرحيته «المكي وزكية» ثم ولمدة 5 اعوام عرض مسرحية «في هاك السردوك نريشو» اي اننا نقوم بنتف ريش ذلك الديك.

 

تحقيق في المسرح الوطني

من اول الاجراءات التي اتخذها وزير الثقافة الحالي عزالدين باش شاوش فتح تحقيق اداري في وضعية المسرح الوطني التونسي، الذي كان مديره الفنان الكبير محمد ادريس قد غادره بعد الثورة بسبب الاتهامات الموجهة اليه كالفساد المالي وديكتاتورية القرار والاستقواء بالنظام السابق،

وكان محمد ادريس قد تولى ادارة المسرح الوطني عوضا عن سلفه الفنان المنصف السويسي منذ العام 1987 تاريخ تولي الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي السلطة، متخذا منذ البدء عددا من الإجراءات الظالمة منها ابعاد عدد من الممثلين والممثلات المحترفين والمحترفات مثل جمال العروي وعيسى حرّاث ودليلة مفتاحي وحليمة زاوز والمنجي بن ابراهيم ولمياء بن ابراهيم ومحمد كدوس ثم وفي مرحلة ثانية فصل عددا آخر من الممثلين كجمال المداني ومنعم التومي و جمال ساسي.

ورغم اهمية الميزانية المرصودة للمسرح الوطني والهبة السنوية الخاصة من الرئيس السابق فإن مستوى الانتاج كان ضئيلا وقليلا، الامر الذي دفع الى توجيه اتهامات الى محمد ادريس بالفساد ادت في الاخير الى فتح ملف للتحقيق وإلى تكليف حارس قضائي بحماية الوثائق الموجودة داخل مقر المسرح الوطني بقاعة الفن الرابع بشارع باريس وبمنطقة الحلفاوين.

 

صنع في تونس

الممثل لطفي العبدلى كان اول المنادين بتخلى بن على عن السلطة عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك، ويقول عن ذلك: انا فنان ابن هذا الزمن الذي اعيش، وعندما انطلقت الشرارة الاولى للثورة من سيدي بوزيد واتسعت دائرتها بمناطق أخرى ادركت ان عليّ ان اكون مع ابناء شعبي لذلك سجلت لقطات تدعو الديكتاتور الى الانصياع الى ارادة الشعب.

العبدلي بادر بعد الثورة بعرض مسرحيته «مايد ان تونيزيا» او «صُنع في تونس» بعد تعديلات تتماشى وطبيعة المرحلة.

الممثل رؤوف بن يغلان كان من اول المتفاعلين مع ثورة الشباب التونسي عبر وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة، وهو يقول: ان بن علي وجماعته أغلقوا الآفاق في وجه الإبداع التونسي وقتلوا روح المبادرة، ووحدهم المقربون من مراكز النفوذ والقرار كانوا مستفيدين من المرحلة التي زالت بزوال الصنم وانتهاء الديكتاتورية.