يبدو أن ثورة 25 يناير أطلقت شرارة التغيير في بورصة الغناء المصري، ولم يعد مقبولا الاستمرار على الحال التي كانت عليه قبل اندلاع الثورة، لاسيما مع بروز أسماء بعض المطربين الذين تجاوبوا مع الثورة منذ يومها الأول، وأفول نجم آخرين تذبذب موقفهم حتى قالت الثورة كلمتها.. وبحسب موسيقيين ونقاد التقاهم «الحواس الخمس» فإن بورصة نجوم الغناء يعاد حالياً تشكيلها.

وإن قادم الأيام سيشهد هبوط أسهم عدد من الرموز وعلى رأسهم تامر حسني، عمرو دياب، محمد فؤاد، محمد حماقي، حمادة هلال، إيهاب توفيق، عمرو مصطفى، شعبان عبدالرحيم، بينما ستصعد أسهم آخرين مثل إيمان البحر درويش، محمد الحلو، علي الحجار وبقاء آخرين على القمة مثل محمد منير، وأنغام..

مؤكدين أيضاً أن ثورة غنائية ستنطلق بموازاة ثورة يناير.«بورصة النجوم ستشهد هبوط تصنيف 95% من المطربين».. بهذه العبارة الصادمة بدأ الشاعر الغنائي عنتر هلال حديثه، موضحا أن هؤلاء المطربين استمدوا شهرتهم من النظام السابق، وكانوا يشبهونه في مواقفه من أجل إلهاء الناس وتسطيح المعاني الجميلة، وعلى رأس هؤلاء عمرو دياب، تامر حسني، محمد فؤاد، الذين تصدروا لسنوات طويلة قمة الأغاني العاطفية، من خلال أغان فارغة المضمون والقيمة، ولم يكن لها من هدف إلا شغل الناس عن التفكير في أمورهم الحياتية.

وأضاف إن الحال في سوق الغناء الشعبي أيضاً ستشهد هبوط نجومه البارزين، وعلى رأسهم شعبان عبدالرحيم وسعد الصغير وعماد بعرور الذين عرف عنهم اللعب بالأحداث بما يحقق مصالحهم الذاتية.وتابع قائلاً: سوف تظهر فرق غنائية شبابية تعبر عن فن يعبر عن ضمير الناس وأحاسيسهم وواقعهم، ويترجم أحلامهم ويعلي قيمة العلم.

ويعبر عن صفات الجد والرجولة والخوف على الوطن، حتى كلمات الأغاني العاطفية ستتغير عن المعاني العقيمة المملة مثل وصف العيون الجميلة والرموش الطويلة وأغاني الهجر والذل والهوان، ستتبدل بمعاني الحب الإيحائي والعلاقات الأسرية وإعلاء قيم التسامح والإباء.

وتوقع هلال أن تتغير اللغة الغنائية من لغة الشارع والبلطجة التي حاول بعض الشعراء ومؤلفي الأغاني استخدامها للوصول إلى المتلقي مثل الشاعر أيمن بهجت قمر، وكذلك لغة الانتقام التي كان يتخصص فيها بعض المطربين مثل مصطفى كامل، وستظهر لغة غنائية جديدة تتحدث عن الشعب الجديد الذي اكتشفته ثورة 25 يناير.وطالب هلال من سماهم «قائمة الكبار» من النجوم بأن يمكثوا في بيوتهم، ويقيموا مشاريع تجارية بما جنوه من أموال خلال السنوات الماضية، وأن يتركوا الساحة للنجوم الجدد الذين لديهم القدرة على التعبير عن روح ميدان التحرير.

 

شيك بدون رصيد

يشاركه الرأي الشاعر الغنائي ناصر محمود قائلاً: هناك اتفاق عام لدى المؤرخين الاجتماعيين بأن الفنون أدل وأكثر تأثراً على مستوى المجتمعات، وإنه في ظل وجود نظام ثقافي فاسد شاب الفساد السوق الغنائية، فالأغاني الوطنية كانت أشبه بشيك منعدم الرصيد، فلا وجود لقضية عامة، أو شعور وطني جمعي، ليلتف حوله الجمهور.

ولم يختلف الحال كثيرا في الغناء العاطفي، فأصبح الشعراء يعتمدون على نجاح المذهب الأول للأغنية، ففي الغالب تكون الأغنية عبارة عن نكتة أو قفشة أو حتى معنى في أغان قديمة تتم إعادة صياغتها بشكل مختلف، حتى أصبح الغناء ساحة للابتذال والتكرار سواء على مستوى الكلمة أو اللحن.

وعن بعض الوجوه الغنائية التي قد تستمر متماسكة قال: هناك بعض النماذج التي سوف تظل ثابتة، وقد تصعد أكثر إلى القمة مثل علي الحجار وفريق وسط البلد ومطرب الثورة مصطفى سعيد الذي يسير على خطى الشيخ إمام. وبصفة عامة سيصعد بعض النجوم الذين تم التعتيم عليهم من قبل النظام السابق، وسوف يلاقون إقبالا والتفافا جماهيريا ملموساً، حتى لو استمروا في تقديم نفس نوعية الأغاني التي كانوا يقدمونها قبل الثورة.

وتابع قائلاً: وهناك آخرون سوف يعيدون صياغة أنفسهم بشكل جديد مع توافر مناخ الحرية ومناخ إنتاجي مثل محمد منير وشيرين عبدالوهاب، وسوف تظهر أصوات جيدة لديها وعي حقيقي بطبيعة أحلام الناس.

 

هوجة غنائية

ويرى الناقد الموسيقي أشرف عبدالرحمن، أن كل الثورات المصرية شهدت قبلها فترة من الاضمحلال الفني، وأن ما حدث قبل ثورة 25 يناير يشبه ما حدث قبل ثورة 1919 حيث ظهرت هوجة فنية من الأغاني الهابطة غناها حتى كبار النجوم مثل زكريا أحمد وسيد درويش وأم كلثوم، والتي سجلت أغنية بصوتها قبل ثورة 1919 بعنوان «الخلاعة والدلاعة مذهبي».

وهناك الشاعر يونس القاضي الذي كتب أعظم أغاني هذه الثورة كان قد كتب قبلها أغنية «إرخي الستارة اللي فرحنا» ثم بعد توليه الرقابة بعد الثورة قام بمنع تداول الأغاني الهابطة في الأسواق حتى الأغاني الوطنية كانت تتم بشكل به تورية وكناية مثل أغنية منيرة المهدية «يا بلح زغلول».

أضاف أنه بعد ثورة 1919 تتابعت الأغاني الوطنية القيمة من نفس هؤلاء النجوم مثل «قوم يا مصري» و«أنا المصري»، مؤكداً أن الحال سيختلف أيضا بعد ثورة 25 يناير، لأن الأغنية هي نبض الشارع، والتغيير انعكاس حقيقي لما يحدث في المجتمع، ولذا ستختفي كلمات مثل «سيجارة بني، وخليها تشاكل» كما سيختفي أصحابها سواء كانوا مطربين أو ملحنين أو شعراء، وسيعتلي الساحة جيل غنائي جديد يعيد المصداقية إلى المستمعين.

 

الجمهور تغير

ويعتبر الموسيقار د.رضا رجب أن الأغنية قبل ثورة يناير كانت فاسدة تماما كما كان النظام، فطفت على السطح أغانٍ تخاطب الحواس والجنس والعري، وانتشرت على الفضائيات أغانٍ ذات معانٍ وإيحاءات تحض على الفجور وتبتعد عن الأخلاق والقيم، حتى الأغاني الوطنية لم تعبر عن أحلام الشباب..

لذلك وبعد ميدان التحرير وثورة الأغاني الوطنية الأصيلة التي تنتمي لثورة يوليو 1952 أو أغاني حرب أكتوبر 1973 سيطر على الميدان عبدالحليم حافظ، شادية، وردة، ورغم عدم وجودهم كأشخاص، فإنهم ألهبوا حماس الثوار ورفعوا من روحهم المعنوية، لذلك يجب أن تشهد الفترة القادمة ظهور طاقات جديدة تعبر عن طموح وروح وحماس هؤلاء الشباب، وستفرض الأصوات الجادة نفسها على الساحة الفنية، فالثورة أتت لتصحح كل الأوضاع بما فيها الفن عامة، والأغنية على وجه الخصوص.

وتابع: كما يجب أن تعود جهات الإنتاج الرسمية التي تقاعست عن دورها في إنتاج أغانٍ جادة، وأن ينصف الإعلام الأصوات الأصيلة، وأن تتوقف الفضائيات الغنائية عن بث أغاني العري والابتذال لاسيما أن الجمهور الآن ليس هو الجمهور الذي كان قبل 25 يناير.

وفيما يخص بورصة النجوم أوضح د.رضا أن هناك من سيعيدهم ذكاؤهم إلى القمة مجدداً، مثل شيرين عبدالوهاب التي تغنت في حب مصر قبل الثورة بصدق يشفع لها أي موقف أخذه عليها جمهورها، أما تامر حسني فقد تأخر كثيراً، وخانه ذكاؤه الفني، وربما يسامحه جمهوره.