مذاق غنائي مختلف لأغنيات عيد الأم هذا العام، مذاق قوامه دماء الشهداء التي سالت في ثورة 25 يناير، والتي بعثت برسائل غير مكتوبة إلى الأمهات تدعوهن إلى الاحتفاء بعيدهن مع السعادة التي أطلت على الأم الكبرى «مصر» بعد أن أعادت إليها الثورة دماء الحياة والحيوية والكرامة.. وبرغم تربع أغنيات الجيل القديم وأبرزها «ست الحبايب» لفايزة أحمد فوق كل الأغنيات المعاصرة التي فشلت في المنافسة، إلا أن أغنيات الشهداء صنعت الاستثناء.

«يا بلادي.. يا بلادي، أنا بحبك يا بلادي، قولوا لأمي متزعليش، وحياتي عندك متعيطيش، قولولها معلش يا أمي، أموت أموت وبلدنا تعيش، أمانة تبوسوا لي أيديها، وتسلمولي على بلادي، يابلادي، يا بلادي، أنا بحبك يا بلادي، في جسمي نار ورصاص وحديد، علمك في أيدي واسمي شهيد، بودع الدنيا وشايفك، يا مصر حلوة ولابسة جديد، لآخر نفس فيا بنادي، بموت وأنا بحب بلادي، يابلادي، يا بلادي، أنا بحبك يا بلادي، أنا أسف يا أمي يا أم الشهيد، أنا كنت شاهد ويارتني شهيد».. هذه كانت الكلمات التي التقت حولها مئات الأسر المصرية التي استشهد أبناؤها خلال الثورة، والتي تغنى بها بإحساس صادق كل من عزيز شافعي ورامي جمال، وهي الأغنية التي عكست العاطفة من الامتنان للأم لعطائها الدائم، للامتنان للوطن في شخص الأم برسالة يبعث بها كل الأبناء الذين يبذلون حياتهم من أجل أن تعيش الأم ويعيش الوطن.

 

حالة استثنائية

إلى ذلك، لا يرى الملحن محمد سلطان أن الحدث الذي غير مصر أفسح المجال لبعض الأغنيات التي تغنت للثورة، لاسيما التي تبعث برسائل إلى الأمهات أن يصبرن على فقد أبنائهن الذين ضحوا بحياتهم من أجل استعادة الكرامة، ومن أجل أن تعيش الأم في مجتمع يقدرها ويحفظ حقوقها، ولذلك كانت أغنيات الشهداء حالة استثنائية وسط طوفان الأغنيات المملة هذه الأيام.وعن أغنيات الأم بصفة عامة يؤكد أنه لا يوجد أي وجه للمقارنة بين الأغاني القديمة التي تغنت للأم، والأغاني الجديدة التي لا تستقر في وجدان الجمهور، مبرراً ذلك بأن المطربين الشبان يستخدمون نفس الريتمات والألحان في أغانيهم العاطفية للتعبير عن مشاعرهم نحو الأم، بالإضافة إلى ضحالة الكلمات وفتور الإحساس، وهذا ما يجعل أعمالهم تذهب طي النسيان.وأضاف ان أغنية «ست الحبايب» ستظل على القمة بلا منافس مهما طال الوقت، وذلك لأن كلماتها بسيطة وعميقة وجماهيرية، كذلك اللحن المتميز للموسيقار الراحل محمد عبدالوهاب، أما الأداء الذي انفردت به فايزة أحمد والذي وصلت فيه إلى قمة الإحساس، فلا يمكن مقارنته بأي عمل آخر في الوقت الحالي، وقد نجحت فايزة أحمد تماماً في تصوير المعاني، ولم تتراجع أغنيتها على مر السنين.. بينما لا تكاد أي أغنية حديثة تصمد لبضعة أسابيع.

أضاف ان كلمات «يا ست الحبايب» التي كتبها حسين السيد، ولحنها محمد عبدالوهاب وتغنت بها فايزة أحمد تعتبر بلا منازع أشهر أغنيات الأم في عيدها الذي يحل في الحادي والعشرين من مارس من كل عام.. أيضاً غنى الموسيقار محمد فوزي «أحن قلب»، وغنت شادية «ماما حلوة»، و«أمي»، كما غنت نجاح سلام «يا أمي»، وغنت فيروز «أمي يا ملاكي، وأمي الحبيبة»، بينما غنت نجاة الصغيرة «ويا أمي»، وغنت سعاد محمد «يا حبيبتي يا غالية»، «وكل سنة وأنت طيبة يا مامتي» لورده، وغنت سعاد حسني «يا ماما».. وبعدها غابت أغاني يوم الأم حتى تجددت في الأعوام الأخيرة مع الجيل المعاصر، فغنى هشام عباس «أمي الحبيبة»، و«الست دي أمي» لخالد عجاج، وغنت شيرين «بحبك يا أمي»، وأوبريت «أمي ثم أمي» لتامر حسني وجنات ديار ورامي عياش، كما غنى أحمد مكي «شكراً يا ماما» بطريقة الراب، كما ظهرت أيضاً أغانٍ شعبية ساخرة مثل «أوعي حد فيكم يزعل أمي» لسعد الصغير، كذلك شعبان عبدالرحيم «خلي بالك على أمك»، وأغنية ابنه عصام «أمي جات».

 

عودة الإحساس

أما الملحن هاني مهنى، فيرى أن المجتمع تغير والمزاج العام داخل الأسر المصرية أيضاً تغير، فلم تعد الأم تشعر بالرضا كما كانت في الستينات من القرن الماضي الذي خرجت منه روائع الأغنيات المعبرة عن الاحتفال بالأم، فأصبحت الأم الآن أكثر شكوى وأقل رضا؛ لذا أصبحت الأغاني التي تعبر عن تلك المشاعر ومعانيها غير صادقة وهذا يعود لفساد المناخ العام الذي صنع هذه الحالة المزاجية غير الراضية.

ويأمل مهنى مع تغير المناخ العام بعد ثورة يناير أن تعود الأمور إلى نصابها ويعود الاحتفاء بالأم إلى سابق عهده من التقدير والاحترام، وتقديم كلمات راقية تناسب المكانة السامية للأم، وليس الاقتصار على كلمات سطحية وألحان مزعجة وأداء بارد.. يجب أن تعود العاطفة النبيلة كما كانت حتى يعود الصدق إلى أغانينا، خاصة الموجه منها إلى الأم.

وعن الفرق بين الأغاني القديمة والحديثة للأم، يشير إلى أن الأغاني القديمة في جميع المناسبات هي الأغاني المعمرة، وأكبر دليل على ذلك هو ملازمة صوت عبدالحليم وشادية لشباب الثورة في الميدان، فليس مستغرباً أن تظل «ست الحبايب» رمزاً لعيد الأم والمعبر الحقيقي عن أية مشاعر نبيلة يريد الأبناء إرسالها إلى أمهاتهم في هذه المناسبة.

وأضاف انه منذ أكثر من عشرين عاماً سيطر على السوق ما يسمى بالأغاني الشبابية، بينما هي مجرد أغانٍ استهلاكية لا تصلح للتعبير عن أي مناسبة، فقد قام مطرب هذا الجيل تامر حسني بتقديم أغانٍ للأم على طريقة «تيك أواي» أو أغاني «الأفيه» لمجرد أن يتواجد في هذه المناسبة، ولا يكاد يذكرها أحد بعد يوم 21 مارس الذي تحتفي فيه الأم بعيدها.. لذلك لا يمكن للجيل الجديد أن يثبت وجوده طالما أنه يتصنع الإحساس ويفتعل الأداء، لا بد أن تعود الروح إلى المطرب أولاً حتى يمكن أن يصل صوته إلى القلوب.

 

مقارنة ظالمة

بينما ترى الناقدة ماجدة موريس أن عمر الأغاني القديمة يعود لأكثر من خمسين عاماً، بينما الأغاني الجديدة قد لا يتجاوز عمرها الخمسة أعوام، فالمقارنة هنا ظالمة، فقد تبقى بعض أغنيات الجيل الحالي راسخة في وجدان الجمهور إذا كانت جيدة وصادقة في الأداء مثل الأغاني القديمة التي ما زالت تردد في جميع المناسبات وليس عيد الأم فقط.

وتابعت ان على الفنان المنتمي لهذا الجيل أن يبحث عن الأشياء الجميلة ويحاول إظهارها، فلماذا نجحت أغنية «أم الشهيد»، وأغنية «قولوا لأمي متزعليش»، أليس لأنها مست وجدان الناس، وعبرت عن أحاسيسهم وعواطفهم، بينما سبب فشل غالبية الأغنيات التي قدمها مطربون شبان للأم أنها قُدمت بطريقة روتينية أقرب إلى العمل الوظيفي منها إلى التعبير الجياش عن الأم، يجب أن تقدم مثل هذه الأغنيات بعيداً عن مبدأ التجارة ولغة الأرقام، على مؤلف الكلمات أن يكتب الأغنية لأمه، وعلى الملحن أن يلحنها لأمه، وعلى المطرب أن يغنيها لأمه حتى يخرج الجميع كل ما لديهم من صدق الأحاسيس، إذا ما أرادوا أن تصل أغنيتهم حقاً إلى الأم وتتناقلها الأجيال كما الحال مع «ست الحبايب».