عازف جيتار ومغنٍ في ركن المسرح، وراقصة بملابس رقص الفلامنكو التقليدية، نغمات أوتار الجيتار النابعة من أصابع تنطق بتلك الروح الإسبانية، والمغني بجواره يصدح بصوته العريض القوي تقودهما «روزاريو» راقصة ومصممة عرض «الآن» الذي قدم أخيرا على خشبة مسرح الجمهورية بدعوة من المعهد الثقافي الإسباني بالقاهرة، بالتعاون مع الوكالة الأندلسية لنشر الفلامنكو، وقد حقق الثلاثة حضورا طاغيا في زمن العرض الذي استمر أكثر من ساعة ونصف الساعة، ويتكون من ثلاثة مشاهد أو لوحات.

 

تنقل العرض بين فنون التعبير الحركي كالرقص التقليدي للفلامنكو إلى مزيج بينه وبين ملامح من الرقص المعاصر وأيضا الباليه الكلاسيكي، ما أسهم في تدفق الأحاسيس المختلفة في محاولة لإثبات ارتباطهم القوي بفن الفلامنكو في كل مراحل تطوره حتى أحدث أشكاله المعروفة بـ«نوفو فلامنكو»، وأيضا بأنواعه الكثيرة مثل «الفاندانجو وبوليريا وسوليا» وغيرها.

 

حركة بالأيدي وإيقاع الأرجل

روزاريو التي بدأت حياتها الفنية في مدينة قادش من خلال عرض «لأجل قانون الحياة» حتى أصبح لها ريبوتوار خاص بأعمالها مثل «التناقضات» الذي قدم عام 2005 في أشبيلية في إطار دورة الفلامنكو «القادم من الجنوب» قالت بعد الحفل وهي تلتقط أنفاسها المتسارعة: رغم اعتماد هذا الفن على تقنية الأداء وقوته ووضوح عناصره من حركة بالأيدي وإيقاع الأرجل الذي يعطي الفلامنكو روح الكبرياء والشموخ اللذين يقبعان داخل راقص الفلامنكو عبر التاريخ، فإنني أحب أن أشير إلى حدوث شيء أقرب للتجلي النابع من لحظة سحرية نتوافق فيها نحن الثلاثة على المسرح؛ لأن الراقصة هي التي تقود العرض بسرعة إيقاع رجليها وحركتها عمومًا، وإذا ما خرجت عن الموسيقات المعروفة التي تم التدريب عليها، فإن عازف الجيتار والمغني الذي يقوم أيضا بمهمة التصفيق بالأيدي، يراقبان حركتها بمنتهى الدقة، لمصاحبتها بالعزف والغناء والتصفيق بما يتواكب مع كل حركة وإيقاع. وتلفت أن مثل هذا الارتجال لا يمكن أن يتم إلا مع مجموعة بينها تفاهم خلاق يبدع حالة مزاجية فريدة.

وتشير إلى أن العرض الذي قدمته على مسرح الجمهورية بلغ حدا كبيرا من الكمال، خصوصا مع حماسة الجمهور المصري- الإسباني الذي منحنا نحن الثلاثة دفئا حتى بلغنا عنان السماء.

 

خصائص لحنية وإيقاعية

من جهته، أشار المغني أنطونيو مارينو إلى أن كل عناصر هذا الفن من موسيقى وغناء ورقص بكل الألوان والأشكال تتداخل في بوتقة واحدة قانونها هو الإبداع واحتواء كل ذلك في بيئة وجو مميزين.

ويضحك مارينو حين يسأل عن الجذور العربية في الفلامنكو، قائلا: نشأ من تداخل ثقافات وفنون كثيرة في جنوب إسبانيا منذ أكثر من 50 عاما منها جذور عربية وغجرية وغيرها ممن كانوا يعيشون في الأندلس، لافتا إلى أن لكل من هذه الأشكال خصائص لحنية وإيقاعية تميز طابعه وهويته، والفلامنكو بشكل ما يمكن أن نقول عنه إنه إعادة اكتشاف وتلوين لتلك الأنماط الموسيقية والراقصة.

وعن الغناء بالذات، قال مارينو: حقيقة يحمل هذا الفن سمات كثيرة من أساليب الغناء العربي مثل إصدار الصوت من الحنجرة والترديد والتعريض مثلاً مع قوة الصوت وارتفاع طبقاته.

 

أداء الراقصة

من جانبه، قال عازف الجيتار ميجيل إيجليس: إن الإبداع في الفلامنكو ينبع من أداء الراقصة ومدى تمكنها وبراعتها وامتلاكها حسا حركيا وإيقاعيا يقود المجموعة كلها نحو خلق قطعة جديدة من الفلامنكو، من العناصر والأشكال والتراكيب نفسها، ولكننا نشعر أننا نقدمها لأول مرة.

سُجّل الفلامنكو أخيرا على لائحة التراث الإنساني بمنظمة اليونسكو لعام 2011، ما يعني العمل على نشر هذا الفن العريق بمساعدة المنظمة العالمية في السنوات المقبلة.