شهدت خشبات المسرح اللبناني مشاهد ولقطات تاريخية منذ سنوات طوال، منها المحزنة والمفرحة، ومنها من تحمل مواقف اجتماعية أو سياسية أو إنسانية، ومنها مؤثرة.

 لكن معظم هذه المشاهد الإبداعية يتذكرها المتابعون للمسرح عن كثب، محفوظة في مخيلاتهم أو في صور خاصة أو في أرشيف جريدة ما. لكن هذه اللحظات التي يعصر فيها فنانون أروع ما لديهم من موهبة وإبداع، تبقى هاربة من دون صور فوتوغرافية توثّق تفاصيل وجه هذا الممثل أو علامات التأثر في عيون تلك الممثلة...

فالصورة كما يُقال اقتناص لحظة هاربة، فما بالك إذا كانت هذه اللحظة من صنع فنان من لحم ودم يعمل ويكدّ لشهور وأحياناً سنوات ليقدم لنا مشهدا بديعا لا يتعدى اللحظات أو الدقائق، من هنا تكمن أهمية معرض «نحن في المسرح بخير طمّنونا عنكم» الفوتوغرافي للمصور الشاب حسام مشيمش في مسرح دوار الشمس، ضمن فعاليات مهرجان 50 يوماً، 50 سنة.

ومن يتابع النشاطات الثقافية في لبنان، لا بدّ أنه يعرف حسام مشيمش ذاك العشريني الذي أدخله المسرح الى عالم التصوير، وليس العكس. فهو لا يترك نشاطاً في بيروت والمدن اللبنانية الكبرى، إلا ويحرص على الوجود فيه، علّه يقتنص لقطة ما تُغني «مشروعه الشخصي».

وما هو هذا المشروع؟ يقول مشيمش «منذ العام 2003 أعمل على أرشفة المسرح اللبناني من خلال الصور الفوتوغرافية، فهو مشروع غير موجود في لبنان حتى عند المؤسسات الثقافية التي تعنى بالصورة. وإن وجدت صور فهي تكون التقطت بالصدفة أو لغرض نشرها في وسيلة إعلامية. لكن ليس هناك مؤسسة أو مشروع يضمّ صوراً لغالبية المسرحيات اللبنانية».

ثمانية وثلاثون صورة توثّق لأعمال ثلاثة أجيال ساهمت في بناء الحركة المسرحية خلال السنتين الماضيتين. هي ليست صورا خبرية أو صحافية يلتقطها مصوّر موظف في مجلة أو جريدة، على عجل، لتنشر كيفما كان في اليوم التالي.

هي صور مرّن مشيمش الذي درس الإعلام المرئي والمسموع، عينه وعقله وحسّه الفني عليها سنوات طوال. هذا الشاب الذي يعمل كمصوّر حرّ، رفض أن يحوّل موهبته الى «وظيفة تحكمها مزاجية مدير، ودوام رسمي يقتل الموهبة». دخل الى المسرح للمرّة الأولى عام 2001 وهو طالب في الثامنة عشرة من عمره ليشاهد فيلما لأحد أقربائه. هناك التقى بالممثل والمخرج اللبناني روجيه عساف الذي كان يدير مسرح بيروت.

أخبره عن عشق للعدسة والتصوير والإضاءة. فرحّب به هذا الفنان وزوجته الممثلة والناشطة الثقافية حنان الحاج علي مشجّعين إياه وفاتحين أمامه أبواب المسرح ليصور نشاطاتهم ساعة يشاء. الصدفة حدفته الى ناس طيبين أخذوا بيده.

والصدفة أيضاً رمته في حضن الخشبة التي صار أسيرها وعلّمته أسرار مهنة لطالما حلم أن يحترفها. «فكان أول عمل لي أتقاضى مقابله أموالاً هو تصوير فعاليات «مهرجان شمس للشباب» الذي نظمه عساف والحاج علي وغيرهم من الفنانين. ويمكنني أن أقول إن هذا المهرجان وضعني على الدرجة الأولى من السلّم».

منذ العام 2001 دخل مشيمش نفق التصوير الذي لن يخرج منه الى الأبد، وصار اسمه معروفاً في الوسط الثقافي اللبناني، لا بل صار له أسلوباً مميزاً في التقاط الصورة من منظار العارف بفنون الخشبة وتفاصيلها كونه «يعيش في المسارح» كما يقول عنه البعض في بيروت.

في المعرض الثالث لمشيمش «نحن في المسرح بخير طمنونا عنكم» تنوّعت الصور بين البورتريه لممثلين ومشاهد حرّة من مسرحيات مثل «الصفحة سبعة» لفادي أبي سمرة وعصام أبوخالد، «غسيل» لسوسن أبو خالد، «فيترين» لمخرج نعمة نعمة وتمثيل عايدة صبرا وجوليا قصار، «بنفسج» للمخرج أبو خالد وتمثيل برناديت حديب وسعيد سرحال، «بيروت مدينة المرايا» لروجي عساف، و«عالم بلا صوت» لمجموعة من الشباب الصمّ والبكم تابعوا ورشات عمل مع عصام أبو خالد، وغيرها.

صور أرادها مشيمش معبّرة من دون إدخال التعديلات عليها من خلال التكنولوجيا وبرنامج الفوتوشوب، ليركّز على التفاصيل الحيّة على وجه ممثل ما أو ممثلة ما، وعلى لوحة مشهدية تختزل مسرحية ما. صور برع مشيمش في التقاطها مثباً قدرته على التعامل بحرفية مع مصدر الضوء في المسرح والذي غالباً ما يأتي خافتاً. صور لا تؤرشف للأعمال المسرحية وهو مشروع مشيمش الخاص الذي ينوي تطويره وإصدار كتاب يتضمن أعماله، بل هي لقطات لها رموز ودلالات تنقل إلينا خبايا المسرح أو حالات العاملين فيه، سواء أكانت تملؤها المرارة أو الفرح.

وبما أن في صوره لعبة ذكية بين الضوء والظلّ والحركة المسرحية، ذكر مشيمش في معرضه أسماء المسؤولين عن الإضاءة في كل مسرحية، وهي لفتة جيدة لمساهمين مؤثرين في الصورة.