حين تمزج الفن الشرقي مع الغربي، والنوبي بالبدوي.. الفارس مع البلياتشو.. فإنك لابد أن تقدم فنا مختلفا، لكن مستمعيك ربما يخبطون كفا بكف متعجبين مما يسمعونه، غير قادرين على رفضه أو تأييده، لكنهم في كل الأحوال سعداء بما يسمعون ويشاهدون وقد يعلقون قائلين «الفنون جنون».

 

إنها فرقة «قص ولزق» الشبابية التي تحاول التشكيل بالموسيقى على جسد من صلصال تستخدمه لترسم به شكلا ثم تهدمه لتعيد تشكيله، تم تكوين الفريق قبل ست سنوات، ويقدم أغاني قديمة في قالب حديث؛ شرقي مع غربي، نوبي مع بدوي.. فارس وبلياتشو.. قص من هنا ولزق من هناك.. «تطلع حاجة تانية».. مجانين استدعوا كلمات عمرها 70 عاما ليقدموها الآن.. تقول الأغنية «لو كنت أملك طيارة ومعايا كام توربيد كنت أقدر أعمل غارة على هتلر عربيد وساعتها هَوَرِي الدنيا بشاعتي إزاي راح أهاجم وإزاي هنفني الهمجية وأريح منها العالم».

 

حالة إنسانية خاصة

الفرقة عبارة عن مجموعة من الشباب قرروا تقديم الأغاني والموسيقى في شكل مختلف خاص.. شعارهم الألوان بمختلف أشكالها وألوانها فهم يأتون من كل مكان على كل شكل ولون ولكن مع تماشي الألوان مع بعضها في مزيج خاص مميز وطريقة مختلفة ومبتكرة وساخرة، فهم شباب من هواة الابتكار في الموسيقى وفريق أطلق على نفسه أنه «حالة إنسانية خاصة» لا يختلف عليها اثنان فهو ليس فريق عمل ولكن مجموعة أصدقاء جمعهم الحب والود والصداقة لكي يخرجوا ما بداخلهم ويوصلوه لكل فئات المجتمع ولكن بروح واحدة.. هذا ما أكده أحد أفراد الفريق وهو المعتز بالله أحمد عبد العزيز يقول: أنا حاصل على بكالوريوس تجارة جامعة القاهرة ولكني ألعب درامز منذ صغري فأنا عاشق له، ومنذ 6 سنوات قابلت صديقي مصطفى سامي لاعب الناي، وحدثني عن مشروع الساقية في تكوين فرق تحت العشرين من الشباب الواعد لتقديم الموسيقى بشكل مختلف ومبتكر وفكرنا أن نكون فريقا في هذا المشروع».

يضيف المعتز: لم تكن هناك فرصة لكي يكتمل المشروع.. فكانت البداية، وقررنا أن يكون أعضاء الفريق كله من الأصدقاء لكي نكون مدركين لما بداخلنا وتكون الروح واحدة ومتفقة على كل شيء، وبالفعل اجتمعنا لنقدم الفكرة وجاء بخاطرنا أن تخرج الفكرة من الألوان بأن نختار أنواعا كثيرة من الموسيقى بصوت «قص ولزق» حتى في المظهر العام على المسرح فنحن نهتم به جيدا وهو يدل أيضاً على الفكرة بمجموعة من الألوان ولكن في تناسق، بالإضافة إلى شعار الفرقة فهو مزيج من الألوان المختلفة، وهذا يرجع إلى أن الموسيقى لغة واحدة ولكن يمكن المخاطبة بها بأكثر من لون للجميع وبالفعل بدأنا في تطبيق ذلك.

وعن الأغاني أيضاً يقول: إنها لا تختلف كثيرا عن تنوعنا في الموسيقى فهي لها طابع غريب خاص بـ«قص ولزق» فقط، فتكون بداية الأغنية بموسيقى مختلفة ووسطها شيء آخر وما بين فقراتها نقلات غريبة وكثيرة، وكلامها يكون غير متوقع، فكل هدفنا هو تقديم شيء مميز ومختلف عن باقي الباندات، فمثلا الفنان محمد منير له لون مميز وموسيقى معروفة بمجرد أن تسمعها تعرف أنها للفنان محمد منير، وهذا ما نريد أن نصل له.

 

القديم والجديد والشبابي

وعن كيفية اختيار الأغاني يقول: معظم أغانينا من كلمات وألحان وتوزيع فريق «قص ولزق» نختارها من كل شيء في الحياة القديم والجديد والشبابي وغيرها وكلمات تحاكي الواقع وتتعايش معه وننسقها مع موسيقى «قص ولزق» لتخرج بطابعنا الخاص، وهناك القليل من الأغاني مثل «لو كنت»، فهذه أغنية تاريخها 70 عاما لجد شخص من أصدقائنا في الفرقة فهي لها طابع خاص وهي تحاكي الواقع حتى الآن فمعظم أغاني الباند سواء من تأليفنا أو نختارها يكون لها أكثر من مغزى ومدلول وتكون مواكبة للمجتمع ومتعايشة معه، ومنذ فترة قليلة بدأ الشاعر رامي علي يكتب لنا بعض الأغاني، ونركز دائما على كلمات الأغاني بألا تكون دارجة، ممكن تغني للحب والعواطف ولكن بأسلوب «قص ولزق» بطريقة فلكلورية تفهم بأكثر من طريقة، وندمج معنا أغاني التخت الشرقي والأغاني النوبية وغير ذلك.

وعن الموسيقى يتحدث المعتز قائلا: نستخدم أكثر من نوع منها «الفاتك، ريجي، الأفريكان، البلاتيم، الروك، الجاز» وكل هذه تتوافق مع الكلمات التي نختارها ونوظفها أو نخلطها ونمزجها مع بعضها ونلعب مزيكا معينة أثناء البروفات نرتبها مع الكلمات ليس لها ترتيب ولكنها شيء متماشٍ مع بعضه.

وعن أعضاء الفريق يقول: عدد الأعضاء 9، وهم الموجودون منذ أربع سنوات، ولكن عمر الفرقة 6 سنوات لأننا بدأنا وتوقفنا عاما بسبب وفاة أحد أصدقائنا في الباند يسمى محمد منير، وكان مهما جداً لنا في الفرقة وصديقا وفيا، وبسبب وفاته كادت الفرقة تنهار حزنا عليه، ولكن بفضل الله عدنا مرة أخرى، وأعضاء الفرقة الموجودين الآن هم: خالد مرزوق «جيتار وغناء»، محمد فوزي «باص جيتار»، مصطفى سامي «ناي»، ياسر حشيش «جيتار وغناء»، إسلام نبيل «بيركشن»، محمد يوسف «كيبورد»، عادل ميخة «غناء وبيركشن»، ومنة حسين «غناء»، والمعتز بالله «درامز»، إضافة إلى أن الفريق قدم عروضه في أكثر من مكان ثقافي في مصر، وشارك في يوم الموسيقى العالمي.

أما منة وهي الفتاة الوحيدة في الباند وتقوم بالغناء فتقول: فكرة (قص ولزق) ليس فكرة عمل ولكن مجموعة من الأصدقاء المتعاونين المحبين لما يقدمونه وهذا ما شجعني لكي أشترك معهم فنحن أصدقاء من قبل الباند بفترات.

وبعد وفاة صديقنا محمد منير طلبوا مني أن أغني في الباند، وكانت لي الكثير من التسجيلات الفردية التي سمعوها كثيرا، لذلك طلبوا مني المشاركة معهم، أنا درست فنون تطبيقية، وبعدها شاركت في الباند لتقديم لون مختلف مع كاريزما أحبها الجمهور وكل ذلك تعلمته من ممارستي الباليه في الأوبرا وكنت في فرقة الكورال لسليم سحاب وأشارك بالغناء منذ صغري وبدأت مع «قص ولزق» على اعتبار أنها فرقة تحتاج إلى حالة خاصة من الغناء حتى في كلمات أغانيها فهي لها تعبير خاص لا بد أن يصل للجمهور باختلاف أنواعه، هل هي أغانٍ جديدة، قديمة، قد تكون مهملة لدى الناس مثل البلياتشو الذي لم يغن أحد له من قبل كما في أغنية «أنا الصايع» التي تقول كلماتها: «أتضحك على الألعبان بأكل قطايف بالكاتشب كمان، أنا البلياتشو أضحك وألعب وأرقص أنا ينادوني فلان، في وشي ألوان أحمر وأخضر يبان أصغر ويبان أكبر فاكرني آل ما بحسش ولا حاجة فيّ بتتأثر».

 هذه الكلمات مقصود بها البلياتشو ولكن بها كلمات سياسية أو مدلولات كثيرة، بخلاف أغان أخرى من أيام زمن الفن الأصيل، فقدمنا أغنية لعبدالوهاب «دنيا الفنون» أخذنا الكلمات ومزجناها بموسيقى «قص ولزق» لكي تصل لجميع الأجيال ونرجع للزمن الأصيل ولكن بطريقة مختلفة، فنحن لا نغني فقط ولكن نريد تقديم رسالة حية لها مضمون صحيح.

 

أغنية الفارس

أما خالد مرزوق، خريج فنون تطبيقية يعزف جيتار منذ 9 سنوات ويغني في الفرقة أيضاً، فيقول: إنه ثالث فرد في تكوين الفرقة ويهوى العزف على الجيتار، وأراد أن يوظفه في «قص ولزق» بتوظيف آلته مع باقي الآلات ومع الكلمات أيضاً، غير أن له صوتا وحنجرة قويين جداً يعطيان نبرات مختلفة في الأغاني، ويحدثان تركّات لها لون مميز أيضاً، ويقول إن كل شيء في «قص ولزق» له تكنيك معين سواء كلمات أو ألحانا أو توزيعا، ويضيف أن أغنية تسمى «الفارس» قدموها في «قص ولزق» لها ملامح وطابع مختلف فكلماتها: الفارس ركب لسانه فضح وقال كل الكلام. ركب على حصانه خياله معرفش يفلت. من اللجام، سافر بعيد عن أهله غاب.

الألف حارة وألف باب ما ملكش نفسه. من العذاب لما شاف الحب داب. فهي كلمات بمعان مختلفة لها أكثر من مدلول ومقصد، فهي شيء هزلي عن السفر والشاب الذي تغرب عن أهله وتاه عندما عاد، حيث وجد كل شيء ضاع منه، أما عن موسيقاها فهي في أولها رأي ولها توزيع جديد، والمختلف في «قص ولزق» أن كل حفلة تختلف عن غيرها حتى تقديم الأغاني، فكل مرة نغير في مقدمات الأغاني وفي وصلاتها وفي أدائها لكي لا يكون الطابع واحدا ومعتادا ومملا، ولكن كل ذلك في سياق ومدلول «قص ولزق».

أما مصطفى سامي وهو لاعب ناي بالفرقة كما أنه من مؤسسيها ويلعب ناي منذ صغره كهواية ثم شارك في «قص ولزق» ويقدم معزوفات خاصة به- فأحيانا يشارك بـ«ناي» مع موسيقى غربية أو أي موسيقى مختلفة أخرى، فهو عاشق للناي من صغره، وتعلمه في المدرسة وأصبح الآن قادرا على تلوين الناي واللعب به جيدا. أما عادل ميخة فيقول إنه من أصل نوبي تأثر منذ صغره بالجو المحيط به، وفي الثالثة عشرة من عمره بدأ يذهب إلى النادي النوبي العام، وهو نادٍ يجمع كل النوبيين لكي يسمعوا تراثهم والغناء والإيقاع النوبي، ومن هنا كانت البداية وعملنا في تنسيق وتحضير مسرحيات عن النوبة وعرضت في الهناجر ومسرح الإسكندرية.