تٌعيد الحادثة التي تعرّض لها المصمّم البريطانيّ جون غاليانو إلى السطح قضيّة القوانين المُجرّمة لمعاداة الساميّة في بعض الدول الأوروبيّة والولايات المتّحدة، حيث إن هذه الدول، لم تتوقف خلال الفترة السابقة، عن انتقاد حريّات التعبير عن الرأي في مُختلف دول العالم، والعالم العربيّ على وجه الخصوص. وهذا ما يطرح التساؤل حول حقيقة الخطوط الحمراء التي لا يتجرّأ أيّاً كان من المساس بها في تلك الدول، وإلا ستكون عاقبته وخيمةً، كما حصل مؤخّراً لغاليانو، وقبله للممثّل الأميركيّ ميل غيبسون ووالده، والمؤرّخ البريطانيّ ديفيد إيرفينغ.

 

غاليانو آخر ضحايا الاتهامات

لم يكن من دار «ديور» العريقة للأزياء، إلا أن تُعلن فصل جون غاليانو من منصبه كمدير إبداعيٍّ فيها، بسبب التعليقات «المعادية للساميّة» التي صدرت من مُسبقاً أثناء تناوله العشاء في مطعمٍ مكسيكيّ بجادة ماريّاس المُرتبطة تاريخيّاً باليهود. والمُستغرب هو أنّ القائمين على دار «ديور» لم يكتفوا بطرد غاليانو، بل صرّحوا أيضاً بأنّ سياسة شركتهم لا تتهاون إطلاقاً مع من تصدر عنه تصريحات شأن تلك الصادرة عنه.

ومن المُستغرب أيضاً ردّة الفعل الإعلاميّة على ما قاله غاليانو، فعلى الرغم من أنّ هذا الأخير لم يكن في وعيه عندما أطلق تلك التعليقات، إلا أنّ مُختلف الجهات الإعلاميّة استخدمت أبشع الأوصاف أثناء نشرها للخبر والتعليق عليه. ومن بين تلك التعابير وصف المصمّم البريطانيّ بـ«الشاذ جنسيّاً» و«الغجريّ»، أيّ أن صحف شأن «دايلي ميل» و«ذا ستار»، في دولٍ تدّعي دعمها الكامل لحريّة الخطاب والتعبير عن الرأي، كسرت كلّ قوانينها بسبب ارتباط الخبر بقضيّة «معاداة الساميّة» ومهاجمته بأوصاف تُعتبر نفسها عُنصريّة ومعادية للمساواة وعدم التمييز.

 فنظريّة المؤامرة على يهود الحرب العالميّة الثانية واضّطهادهم، تمكّنت من خلق الذعر لدى الأوروبيين والأميركيين إذا ما فكروا يوماً من الأيّام بالتشكيك في المحرقة التي تعرّضوا لها على يد النازيين، أو إبداء رأيهم الشخصيّ باليهود. ولم تكن ردود أفعال مشاهير النجوم على ما حصل لغاليانو أقلّ وطأةً.

فنتالي بورتمان، الممثّلة اليهوديّة المولودة في إسرائيل، والتي حازت جائزة أوسكار أفضل ممثّلة هذا العام، وصفت غاليانو بأنّه «مُقرف»، على الرغم من أنّها كانت الوجه الإعلاميّ لإحدى ماركات العطور التي أطلقتها دار «ديور» تحت إدارة غاليانو. واستغلّت بورتمان الفرصة لتدعو المجتمع العالميّ إلى التضامن مع اليهود، لتطهير صورتهم.

والأفكار المُسبقة المبنيّة عنهم، والتي لقيت حضوراً إعلاميّاً بمجرّد حديث غاليانو عنها. ما يُثير الكثير من إشارات الاستفهام في موقف بورتمان، هو إعلانها، قبل أيّام عدة من توزيع جوائز الأوسكار، أنّها ستقيم حفل زفافها اليهوديّ في إسرائيل. وإصرارها على إعادة الفستان الذي كانت سترتديه في حفل توزيع الأوسكار، لأنّه من تصميم ديور، واستبداله بعلامة أخرى.

ناتالي بورتمان، ليست الشخصيّة المثاليّة التي تجعل الجمهور متعاطفاً مع آرائها وتقييمها أفكار الآخرين، فقد تلقّت الكثير من الانتقادات على الصعيد الشخصيّ في الولايات المتّحدة الأميركيّة وأوروبا، بسبب حملها الذي جاء خارج مؤسّسة الزواج. فالأميركيّون يرون فيها المثال السيئ لبناتهم، فكونها شخصيّة عامّة يسوّق لفكرة العلاقات خارج إطار الرباط المقدّس، وإنجاب الأطفال أيضاً، ما يبني مجتمعاً أكثر تفكّكاً وأقلّ ارتباطاً بالقيم والمبادئ.

هذه القيم والمبادئ، هي التي تشدّقت بها بورتمان عند اتهامها لغاليانو بأنّه «غير مسؤول»، وهي القيم ذاتها التي ضربت بها الممثّلة، الفخورة بيهوديّتها، عرض الحائط عندما اتخذت قرار إنجاب طفلها الأوّل من غير زواج، والظهور إلى العالم كلّه بهذا المبدأ، وعدم الاكتراث بالصورة السيئة التي تمثّلها لأجيالٍ كثيرةٍ قادمة.

 

هوتن وميل غيبسون الأب والابن في قفص الاتهام

 

وٌلد هوتن غيبسون سنة 1918، وهو أبٌ لستّة أشهرهم الممثّل العالمي ميل غيبسون. هوتن مشهورٌ بكتاباته النقديّة، حيث إنّه لطالما انتقد الكنيسة الكاثوليكيّة في الفاتيكان، كما أنّه من المؤيّدين لمختلف النظريّات المشكّكة في دقة المعلومات حول المحرقة اليهوديّة خلال الحرب العالميّة الثانية. ففي مقابلةٍ له سنة 2003، تساءل هوتن: «كيف يُمكن لإنسان ما أن يُخفي جُثث ستّة ملايين شخص!»، كما أنّه من المؤيّدين لنظريّة أن هجمات سبتمبر في العام ألفين وواحد، مُخطّطة من قبل الحكومة الأميركيّة آنذاك.

ومن ضمن المٌقابلة التي أجراها هوتن مع مجلّة «نيويورك تايمز»، ارتأى غيبسون الأب أنّ قضيّة المحرقة لم تكن سوى خطّة هيّأ لها هتلر مع أصدقائه من القادة آنذاك ليتخلّص من اليهود في بلده، ويُرسلهم إلى فلسطين. فالبلدان الأوروبيّة كانت في حاجة غرس قوّةٍ هُناك تُحارب العرب، وتُضعفهم، حسب قوله.

غيبسون الابن لقي نقداً واسعاً ثمناً لآراء والده التي لم ينفها، ولم يؤّكدها في الآن ذاته. إلا أنّ الصحافة العالميّة، واللوبي اليهوديّ في الولايات المُتحدة حوّل جملةً قالها ميل، مفادها: «لقد علّمني والدي الإيمان، وأنا أصدّق ما علّمني إياه، فهذا الرجل لم يكذب عليّ في حياته»، واستخدموها في حملتهم ضدّه واصفين إياه بأنّه معادٍ للساميّة، وكأنّ الأمر تُهمةٌ يُعاقب عليها القانون.

وفي حادثةٍ لاحقة تعرّض لها غيبسون الابن، تمّ إلقاء القبض عليه وهو تحت تأثير الكحول، وقيل إنّه تلفّظ بالعديد من الكلامات المُعادية لليهود. وعليه تمّ تسجيل هذا الموقف ضدّه، لاسيّما أن فيلمه الذي أنتجه وأخرجه بنفسه «آلام المسيح»، وُصف أيضاً بأنّه يُقدّم صورةً مشوّهةً لليهود، ويدعو لكُرههم.

والجدير بالذكر أنّه على الرغم من وقوف العديد من أصدقائه المشاهير إلى جانبه، إلا أنّ حياة غيبسون المهنيّة لم تتعاف منذ ذلك الحين. فقد ألغت قناة (ABC) برنامجاً كان من المٌفترض لشركة غيبسون إنتاجه، وخسر العديد من الالتزامات المهنيّة أيضاً.

 

 

ديفيد إيرفينغ من قاعة المحاضرات إلى السجن

 

في فترةٍ من الفترات، كان ديفيد إيرفينغ يٌعتبر واحداً من أهمّ المؤرّخين في التاريخ الأوروبّي. فهو مختصٌّ بالتاريخ العسكري للحرب العالميّة الثانية، وقد نشر أكثر من ثلاثين كتاباً حول تلك الفترة من التاريخ. من أكثر أعماله جدليّةً، كتاب «ألمانيا النازيّة»، الذي لقي شهرةً عالميّة بسبب أفكار إيرفينغ المتعاطفة من الرايخ الثالث الألمانيّ، والتي تمّ تأويلها كمعاداةٍ للساميّة. واتّهم إيرفينغ بانتمائه إلى اليمين المتطرّف، وولائه للنازيّة الجديدة، فقط لأنّه تمكّن من رفع صوته، والتشكيك بصحّة الوقائع والأرقام المنشورة للمحرقة اليهوديّة المزعومة، وعليها اعتُبر إيرفينغ أشهر مشكّكٍ بها في التاريخ.

في سنة 1996، رفع إيرفينغ قضيّة تشهير وقذف على كاتبةٍ من أصل يهودي تُدعى ديبرا ليبستادت. وكما كان متوقّعاً، خسر إيرفينغ القضيّة. وليزيد الطين بلّةً، تمّ التشكيك بمهنيّته ووصمه بالانتماء إلى الجناح اليمينيّ المتطرّف، والدعوة إلى العنصريّة والنازيّة الجديدة.

وفي نوفمبر من العام 2005، أُلقي القبض على إيرفينغ في العاصمة النمساويّة فيينا، بسبب مذكّرة إيقاف تمّ استصدارها بحقّه وفقاً للقانون الصادر سنة 1989، والذي يُجرّم كلّ من يُشكّك في تفاصيل المحرقة اليهوديّة، أو يٌمجّد النازيّة. وجرّاء تلبيته دعوة شجاعة من طلاب جامعات فيينا، علمت الشُرطة النمساوية بخبر زيارته، وتمّ إيقافه وإيداعه السجن، وحٌكم عليه بالسجن ثلاث سنوات.

المؤسف فعلاً، بغض النظر عن أفكار أيرفينغ الأخرى، هو أن يزجّ بشخصٍ ما في السجن، وأن يُبعد تماماً عن أسرته وعمله، فقط عقاباً على رؤيةٍ ما عبّر عنها في مقالة له. ومن المؤسف أيضاً أن تحتوي دول شأن النمسا وألمانيا قوانين تُحدّد للكتّاب ما يريدون كتابته، لا بل تُعاقبهم إذا ما تطرّقوا إلى الخطوط الحمراء بالنسبة لها.

يقوم إرفينغ خلال هذه الفترة، ولغاية الثالث عشر من مايو، بإلقاء مجموعةٍ من المحاضرات بثلاثين مدينة في الولايات المتّحدة الأميركيّة. والموضوع الرئيسيّ الذي يُحاضر إيرفينغ عنه هو حياة وموت «هينريك هيملر»، المُلازم المُرافق لهتلر. إلا أنّ اللوبي اليهوديّ في الولايات المتّحدة الأميركيّة كان قد تجهّز مُسبقاً لهذه المُحاضرات، كي يتمكّن من اقتناص الفرصة المناسبة لإعادة الرجل السبعينيّ إلى السجن لمجرّد التعبير عن آرائه.