في كل مرّة يطلّ الممثل والمخرج المسرحي اللبناني هشام جابر بعمل جديد، يُبهر الجمهور بأسلوب مبتكر وعصري مليء بالسخرية والنقد اللاذع لما يدور في المجتمع. وهذه المرّة اختار جابر أن يستوحي عرضه «غير مخصّص للجمهور العريض»، الذي عرض على مسرح المدينة أخيراً، من أعمال تلفزيون الواقع التي ملأت شاشات التلفزيون العربية وشغلت عقول الناس وهواتفهم النقالة..
. وأفرغت جيبهم. لا بل استطاعت هذه البرامج التي يغلب عليها طابع مسابقات الأغاني، أن تُدخل على المجتمع العربي أسلوباً جديداً من العيش، خصوصاً لجهة سكن فتيات وشباب من جنسيات مختلفة تحت سقف واحد من دون أن يجمعهم قاسم مشترك سوى الوصول إلى النجومية.
«غير المخصص للجمهور»، الذي كتب السيناريو له هشام جابر وتولى إخراجه، أتى خارجاً عن المألوف في المسرح بشكل عام، كونه عُرض على ثلاث حلقات متتالية على ثلاثة أيام. وهذا التسلسل كان مقصوداً كون برامج تلفزيون الواقع كانت تبثّ يومياً على مدى شهور، حتى يكاد المرء يشعر أن هؤلاء المتسابقين فيها باتوا جزءاً لا يتجزّأ من عائلته ويومياته. وهنا على الخشبة أراد هشام جابر أن يُعوّد الجمهور على أبطال المسرحية روبرتو قبرصلي، هشام جابر ورانيا رافع اللذين يتباريان أمام المخرج وسام دالاتي، للحصول على لقب أفضل ممثل والنتيجة متعلقة بتصويت الجمهور الذي يتابع المباراة مباشرة على المسرح على ثلاثة أيام متتالية.
يربح الفائز جائزة 5000 يورو بينما يحصل الخاسر على حكم الإعدام. كما أراد خلال ساعة كل يوم، أن ينقلنا إلى العالم الافتراضي الذي نقله بدوره إلى الخشبة حيث يردّد ومتنافسته عشرات المرات وبصوت فيه من الغنج والدلال «أهلاً بكم الى عالم الواقع».
كما يحصل على الشاشات لجذب الجمهور بصوت أنثوي مغناج. وكأن جابر أراد من خلال هذا المسلسل المسرحي الذي فيه الكثير من المباشرة والفانتازيا المبهرة والبساطة البديعة والنفس التحريضي والسخرية، واللغة التلفزيونية بشكلها المبتذل، أن ينقل إلينا الملل الذي يشعر فيه المرء في بيته من هذه البرامج السخيفة التي تفرض نفسها على المشاهد وترغمه حشريته على متابعتها كونها ظاهرة جديدة.
العرض ذهب في اللعبة التلفزيونية البصرية التي جسّدها جابر وزملاؤه إخراجاً وتمثيلاً بشكل متقن، إلى النهاية. فالشاب الموهوب الذي تدور على كل عرض يقدمه جدالات، أشرك الجمهور باللعبة وجعله جزءاً من المسرحية كما يحصل في تلفزيون الواقع، إذ نزل من المنصّة هو ومنافسته رانيا، ليجمعا الأموال من كل مشاهد يريد الإدلاء بصوته. أما المشاهدون فرحبوا وتفاعلوا وعلت أصواتهم داخل المسرح، كأنهم في أحد أقلام الاقتراع لزعيم سياسي أو حزبي. ولم يتردّد كل مصوّت بكتابة اسمه، فالرغبة بالربح في النهاية موجودة عند كل إنسان، خصوصاً عندما يكون الربح مادي و«كاش».
النقطة المهمة التي تناولها هشام جابر في «غير مخصّص للجمهور العريض»، هي أن الجمهور هو المحرّك الأساسي لا بل الداعم والمموّل لكل برنامج أو مسرحية أو أي عمل ثقافي أو ترفيهي كان. وهنا أراد السخرية من هذه الجماهير العريضة التي تضيّع وقتها (حوالي 6 ساعات يومياً) لمشاهدة برامج مبتذلة تشبه بعضها البعض، والأشد من ذلك أنهم يدفعون ثمن كل لحظة تُبثّ على الهواء من خلال تصويتهم عبر الهاتف الخلوي.
قد يقول قائل إن المشاهد يدفع ثمن الترفيه الذي يحتاجه بعد نهار عمل طويل، لكن الموضوع لم يعد ترفيه فقط، بل أصبح يستغلّ جيوب الناس وعقولهم أيضاً التي لا تنشغل بهموم بلدها والارتقاء به ولا تبحث عن معلومات تغذي ثقافتهم العامة، بل يتسمرون أمام الفتيات المغريات وعلاقات الحب الوهمية من دون أدنى القيم الفنية.
وفي «غير مخصّص للجمهور العريض» كان للجمهور دور بارز أيضاً من خلال التصويت وإبداء الرأي، وهي عملية تنتمي إلى المسرح الحديث حيث «المسرح حدث اجتماعي لا يكتمل إلاّ بوجود الجمهور»، كما يقول المسرحي السوري الراحل سعدالله ونوس.
وفي الجزء الأخير من المسرحية، انتقل جابر إلى الواقع الأليم الذي يعشيه العرب في أيامنا هذه، مثل الاغتصاب والتحرش الجنسي والإجهاض إلى مسألة السياسات الأميركية والتيار الإسلامي في المنطقة، الى الغلاء المعيشي والزبائنية السياسية، الى العلاقات العاطفية والحب والزواج، بأسلوب عبثي مبدع وإن كان بلغة مباشرة تحمل المواقف الجاهزة أحياناً.
فهذه المسرحية كتبت عام 2008 حين عرضت للمرة الأولى على خشبة مسرح المدينة أيضاً ولمرّة واحدة. لكن من المؤكد أن جابر كان ليتطرق الى الاحتجاجات الواسعة من تونس الى مصر الى ليبيا، لو أنه كتب السيناريو حالياً. لكن نتوقّع من الشاب الموهوب الذي يتوقع له المتابعون للمسرح العربي عن كثب مستقبلاً باهراً، خصوصاً في أسلوبه الساخر المبكي المضحك وعروضه المعاصرة التي تجمع بين الترفيه والإبهار والكوميديا السوداء، تقديم عرض جديد مستوحى من الواقع العربي الحالي الذي فاجأ كل محلل سياسي.
