شهدت الأغنية العديد من مراحل التطور لاسيما التوزيع الموسيقي واعداد الالحان وملاحقة الغرب في ما وصل اليه من تقنيات صوتية وموسيقية خصوصا في (الهارموني) وهو يعرف في الموسيقى بأنه التأليف الصوتي المبني على العلاقة القائمة بين الكوردات المتتالية لغرض تكوين جملة موسيقية ،فيما يعد (الهارموني) تحديا كبيرا لقدرات الملحن في صياغة لحن يمكن توزيعه من قبله او موزع محترف حال عدم المامه بهذا العلم ، كذلك يعد تحديا آخر لقدرات المغني وطبقات صوته في التعاطي مع (الهارومني) ليحدث تناغما كاملا بين اللحن والكلمات. «الحواس الخمس» استطلع اراء عدد من اهل الفن حول الهارموني في الاغنية العربية وانعكاسه على الذائقة العربية..

رياض قدسي: الهارموني جمل موسيقية مترابطة

الموسيقار رياض قدسي قائد ومؤسس سيمفونية الامارات ان (الهارموني) يقول: علم خاص يدرس التأليف الصوتي وتركيب الكوردات الموسيقية لتؤدي لحنا هرمونيا معينا، والكوردات تكون عادة مؤلفة من علامتين او أكثر تعزف في وقت واحد لتؤدي تآلفا صوتيا منسجما، مثال ذلك لو قلنا دو - مي - صول او ري - فا - لا او مي - صول - سي ،وهذه المؤلفات الصوتية يظهر عزفها بوضوح على الاورغ والجيتار عندما نؤدي مجموعة من الكوردات بتلاحق نطلق عليها اسم «هارموني» ، مشيرا الي ان العرب هم أول من ابتكر الهارموني ثم تراجع بمرور الزمن ليقوم الغرب بتطويره ويستورده العرب اليوم منهم . وعلم الهارموني مرّ بمراحل متعددة حتى أخذ صورته وشكله الحديث ، وفي غناء الاوبرا او الاوبريت نلاحظ ان هناك تداخل في الاصوات بشكل منسجم من طبقات صوتية متعددة هذا ما نسميه بالهارموني الصوتي.

وشدد قدسي على أهمية تدريس النتش اصول الموسيقى في سن مبكرة وهو من شانه أن يسهم بتعريفهم بكافة انواع الفنون الموسيقية الحديث منها او القديم الهارموني واحد منها وهو علم يدرس وليس مادة مستحدثة كما يعتقد بعض المغنين.

محمد عبد العظيم:

الموزع أساس الهارموني

يقول محمد عبد العظيم (استاذ موسيقى) ان الهارموني مرتبط ارتباطا كبيرا بالتوزيع الموسيقي بحيث يحدث تناغم وتكامل بين مختلف التنوعات الموسيقية، وكان في السابق الاغنية تتكون من لحن واحد، حيث يغني الفنان والكمنجات ترد في الفواصل، لكن اليوم تبدل الحال واصبحت الكمنجات تعزف وراء المطرب بدلا عن الفواصل. ويبين ان الهارموني اصبح شائعا في كثير من الاغاني العربية ويلاحظ هذا من خلال التوزيع فنجد ان الموسيقى غربية فيما تكون الاغاني عربية، واصبح الهارموني الآن مادة تدرس في كثير من المعاهد العربية، وهو امر احدث نقلة نوعية في التوزيع الموسيقي وجعل الاغاني تقترب من المعايير الغربية الموسيقية، واوضح أن المقام هو الذي يحدد نوع الهارموني والمغني الدارس للموسيقى يمكن ان يتدخل في خيارات الموزع لأنه من يؤدي الأغنية مهما كانت نوعية المقام والهارموني، واشاد بالتنوع الموسيقي في اغاني اريام.

الجابر ينادي بتناغم الكلمة

مع الصوت واللحن

يشير ناصر الجابر مدير اعمال الفنان حربي العامري إن نجاح «الهارموني» والاغنية بشكل عام يعتمد على الطبقة الصوتية للفنان والكلمة واللحن وهي ثلاثية مهمة جدا واي اختلاف فيها يجعل من الأغنية نشاز، وعلى سبيل المثال اذا كان نص الاغنية جميلا واللحن غير مناسب لها تخرج نشازا ، مشيرا الى ان البعض يغني بدون إلمام ومعرفة بضوابط الأغنية، ومن يحتر م فنه يجب ان يقدم اغنية تتجانس فيها العناصر الثلاثة مع بعضها البعض، وهنا ثقافة الفنان ودراسته للموسيقى لها دور في هذا الأمر.

ويلفت الى ان لحربي العامري عددا من الاغاني تنطبق عليها معايير الهارموني الناجح منها ( اه من قلب - يا حي - الحب انته ) حيث يحرص العامري على استشارة كل من حوله في أغانيه بعد اختيارها خصوصا نوعية اللحن والتوزيع وهو الامر الذي يخرج الاغنية متكاملة.

ويرى الجابر ان نجاح هذه الثلاثية يعتمد بشكل كبير على ثقافة الفنان ودراسته للموسيقى لأن الموهبة بدون دراسة تعني فقدان 60% منها والدراسة تصقلها ، بجانب الاستماع الى اغاني الغير خصوصا اللهجات الأخرى فعلى الفنان الخليجي الا يحصر نفسه في لهجته المحلية بل يستمع الي كافة الالوان الشرقي منها والغربي هو ما يكسبه خبرات وذائقة واذن تستطيع ان تميز وتختار الافضل.

إبراهيم جمعة: فوضوية موسيقية

تفسد الاغنية العربية

«كل يغني على ليلاه» واختلط الحابل بالنابل وباتت الأغنية العربية في مهب الريح ، والاذن تكاد تصيح وتستغيث هربا من النشاز الذي يحدث باسم الحداثة تارة ومرات تحت مسميات شبابية وروح عصرية وماهي الا محاولات وصولية والضحية الذوق الرفيع ، بهذه العبارات الناقمة المشفقة على حال موسيقانا العربية استهل الموسيقار ابراهيم جمعة حديثه عن (الهاروموني) في الاغنية العربية ، مضيفا: اكاد لا اصدق التدهور المريع والاستسهال الذي يتعاطي به للأسف كثير من المغنين ، ومنهم من يطلق عليهم ( فايف استار) لكنهم بعيدون كل البعد عن النجومية بمقياس الذوق والعلوم الموسيقية لذلك ليس غريبا ان وجد من لا يفهم شيئا عن الهارومني ولا كيفية كتابة ا لجمل الموسيقية، وبعضهم يكون اشبه بالمسجل يحفظ الاغنية كما هي ويؤديها بذات الآلية بدون مشاعر ولا معرفة حتى لغوية فما باللك بعلم متقدم مثل الهارموني.

ويستطرد بمزيد من التوضيح ان الهارموني يعتمد علي مثلث أضلاعه تتكون من ( المطرب - الملحن - الموزع) واذا كان المغني مثقفا دارسا للعلوم للموسيقية تكون مشاركته ايجابية ورأيه سديد في التكييف مع الهارومني ، واذا كان الملحن أكاديمي دارس مثل بليغ حمدي فإنه يلحن ويوزع ، ومنهم من يكتفي بالتلحين دون التوزيع وليس هذا بعيب مثل محمد عبد الوهاب فكان يضع الالحان فيما يقوم بالتوزيع الدكتور علي اسماعيل ، وهكذا حتي يولد اللحن مع الهارموني او(الميلودي) المدهش ، وفي معظم الحالات يكون الموزع هو المسؤول بنسبة 90% عن العمل والجمل الموسيقية، لكن هناك بعض الاغاني وفي الحفلات لا تحتاج الي توزيع وتكون مجرد رزم موسيقية، حيث يختفي منها الا حساس بالتوزيع ، وهو الامر الذي جعل المستمع عند استماعه الي اغنية ما يركز علي الطبول قبل المعني او الموسيقى، مثل هذه الاعمال الموسيقية تجعل عمر الاغنية قصيرا ولا تدوم طويلا عكس اغاني زمان التي نجد فيها حلاوة الكلمة والصوت ،مشيرا الي ان تسجيلات اليوم اصبحت فيها الاغنية اثناء التسجيل لا تتعدى السطرين وهي مجر د مولدي ورزم موسيقية يتولى في بعضها الموزع اعداد المقدمة فقط فيحدث خللا في انسجام اللحن لأن المقدمة تختلف اختلافا كبيرا عن الأغنية ، وهي معضلة معظم الموسيقيين الخليجيين، حيث يتولون صياغة الالحان ويصعب عليهم وضع اللازمات الموسيقية.

القرياني: خياراتي يحددها حسي الفني

الفنانة فاطمة القرياني تقول انها ليست متخصصة في الموسيقى والمقامات حتى تختار نوعية الهارموني والتوزيع الموسيقي من زاوية احترافية متكاملة لكنها تعتمد في اختياراتها على ذوقها وحسها الفني ومدى تلامس الكلمات مع مشاعرها الداخلية، وهذه الذائقة لم تخذلها حتى الان وهي تحكم في نهاية المطاف الى جمهورها في نجاح او فشل ما اختارته لهم. واكدت القرياني ان الهارموني اسهم في تطور الاغنية العربية ، وباتت اقرب من ناحية التوزيع الموسيقي الى الاغنية الغربية مع الاحتفاظ بأصالتها الشرقية. وهي ليس ضد الهارموني وكثير من المفاهيم الغربية الموسيقية والغنائية التي تدخل على الغناء العربي بشرط الا تطمس الهوية العربية للأغنية، وحتى لا ننجرف وراء تيار التغريب التي يمكن ان يجعل اغنياتنا عبارة عن نسخ مكررة من الاغاني الغربية.