قوائم سوداء، وأخرى بيضاء، وثالثة صفراء.. تصنيفات عديدة أطلقها شباب ثورة 25 يناير لوضع الفنانين المصريين والعرب الذين ساندوا الثورة أو هاجموها أو تذبذبت مواقفهم فيها، إلا أن هناك فصيلا رابعا لم تضمه هذه القوائم، فصيل استثنائي، ذلك الذي يندرج تحته عدد قليل من كبار الفنانين المعتزلين أو المبتعدين عن الأضواء، ويضم مجموعة من الأسماء التي تحتل مكانة خاصة في القلوب، أمثال الفنانات شادية، فاتن حمامة، ماجدة الصباحي، واللواتي تمتعن بذكاء نادر في التعامل مع الثورة، فلم يعلن دعمهن للنظام، كما لم يهاجمن الثورة، إنما كانت أحاديثهن تركز على أسمى ما يملكه المصريون.. مصر.

ثلاثون عاما قضتها الفنانة الكبيرة شادية بعيدة عن الأضواء، منذ آخر ظهور فني لها في مسرحية «ريا وسكينة» التي قدمتها العام 1981، آثرت بعدها العزلة الاختيارية، كثيرون حاولوا إخراجها أو استدراجها إلى أحاديث صحفية أو أعمال فنية، لكنها أبت بمنتهى الحسم، حتى وقع زلزال ثورة 25 يناير، وما واكبه من انفلات أمني استغله بعض الأشقياء الذين عاثوا في الأرض فسادا، بغية سرقة إنجاز الثورة التي حركت المياه الراكدة طوال الثلاثين عاما التي قضتها في عزلة وهي نفسها الفترة التي تولى فيها النظام السابق مقاليد البلاد.. هنا فقط قررت شادية الخروج من عزلتها، وعلى الرغم من أنها كسرت العزلة باتصال هاتفي عبر التليفزيون الرسمي للدولة، إلا أنها لم تتورط في مبايعة النظام، لم تنافقه كما كان القائمون على الأمر يريدون، كما لم تتورط في مهاجمة الثورة وشبابها كما كان القائمون على الإعلام الرسمي يحلمون أيضا، لكنها وبمنتهى الوضوح والحسم دعت الجميع إلى أن تكون مصر وحدها الاختيار الذي يتوقف عنده الجميع ويجب أن يحافظوا عليه.. تحدثت عن مصر لا عن نظام أو سلطان، ووقعت كلماتها على القلوب كالبلسم حينما تمسح به الجراح، كانت كلماتها شافية لشباب الثورة، ووصلت رسالتها إلى الجميع.

حافظوا على مصر

الأمر نفسه تكرر مع الفنانة ماجدة الصباحي، التي قامت بمداخلة تليفونية لبرنامج «الحقيقة» الذي يقدمه الإعلامي وائل الإبراشي على قناة دريم 1، حيث توقع كثيرون أن تبادر بالدفاع عن النظام الحاكم، أو أن تدعو شباب الثورة إلى إخلاء ميدان التحرير والعودة إلى بيوتهم، كما قال كثير من الفنانين، كما لم تدعُ إلى حرق المتظاهرين، كما طالبت إحدى الفنانــات، لكنها على النقيض أكدت أن 25 يناير كان بمثابة انطلاقة كبيرة لمصر وشعبها، ونفت بمنتهى الحسم والوضوح ضلوع هؤلاء الشباب في حوادث التخريب والفوضى، مؤكدة أن السبب هو غياب الأمن الذي استغله بعض اللصوص والهاربين من السجون في محاولة ترويع الآمنين..

وأنهت مداخلتها قائلة: «أشكر الشباب المشاركين في هذه الانطلاقة، وأدعوهم للحفاظ على مصر وعلى أمنها».

أخلاق الثورة البيضاء

أما الفنانة فاتن حمامة فناشدت جموع المتظاهرين بميدان التحرير بالعودة إلى منازلهم، بعدما تمكنوا من تغيير النظام، مؤكدة تأييدها الكامل للثورة، إلا أنها دعت إلى عدم الإساءة للرئيس السابق حسني مبارك، باعتبار أنه كان قائدا لمصر في فترة من الفترات، وأن أخلاق الثورة البيضاء لا تدعو إلى الكراهية أو الإساءة.

حياد

إلى ذلك، يعلق الناقد طارق الشناوي، على مواقف فنانات الزمن الجميل، مؤكدا أنها تميزت بالذكاء وخبرة السنين، موضحا أنه كان واضحا أنهن وعلى الرغم من أحاديثهن في قنوات تابعة للتليفزيون المصري إلا أن مداخلاتهن اتسمت بالحياد، وركزت على الدفاع عن الوطن لا على النظام، واستطعن أن يجنبن أنفسهن مخاطر الانزلاق إلى مهاجمة الثورة أو مداهنة النظام، فجعلن محور مداخلاتهن هو تغليب مصلحة الوطن، والتفاني في حبه والذود عنه.

وأضاف إن الشباب المعروفين بحماسهم استطاعوا أن يفرقوا بين الهجوم المنظم ضدهم والذي تم الزج به، فكانت أغنية الفنانة شادية «يا حبيتي يا مصر» مصدر إلهام لحماسهم واحتفالهم بالثورة.

طريق السلامة

وتعلق الناقدة ماجدة خيرالله، قائلة إن الفنانات المعتزلات اخترن طريق السلامة وهو الحديث عن مصر وسلامتها لا التخريب دون الانحياز إلى جانب دون آخر كما فعل بعض نجوم القائمة السوداء، فليس من المعقول أن يخرج فنان ليحمي النظام المعتدي في مقابل مهاجمة الشرفاء من الثوار.

وهو ما لم يفطن إليه كثير من الفنانين الشبان أو جيل الوسط مثل محمد ثروت، آمال ماهر، غادة عبدالرازق، طلعت زكريا، سماح أنور، تامر حسني، أشرف زكي، وغيرهم ممن انزلقوا في فخ النظام، وبالتالي أدخلوا أنفسهم ضمن القائمة السوداء المغضوب عليها من جانب الشعب، بينما خسر كل من راهن على النظام. وتابعت قائلة إن هناك دروسا مستفادة من الفنانين الشباب مما حدث، أهمها أن يراهن الفنان دائماً على الشعوب التي تصنعه لا الأنظمة التي تدعمه.

وتعود للحديث عن الفنانات المعتزلات، مؤكدة أنهن جميعا اتسمن بذكاء كبير في التعامل مع الأزمة، فاكتفين بالحديث عن سلامة مصر والتأكيد على أن المصريين لا يمكن أن يقوموا بقتل بعضهم البعض بهذه الطريقة.. وهذا ما يحسب لهن.

أخيرا، اكتفى الكاتب الصحفي مفيد فوزي، بالتعليق قائلاً إن الفنانات المعتزلات لسن على اتصال مباشر بالشارع المصري بسبب العمر والمكانة؛ لذلك جاء تفاعلهن متحفظا، لا مع هذا الفريق، ولا مع ذاك؛ لذلك لم يستطع أحد أن يمسك عليهن خطأ يدينهن، وهذا ما يفتقده الفنانون الشبان تماما.