يتفق الكثيرون أن خريطة الفن في العالم العربي ستحدث بها تغييرات كثيرة بعد ثورة الياسمين التونسية، وثورة 25 يناير المصرية، والأحداث الجارية في ليبيا، سواء في الأعمال الدرامية أو السينمائية أو الغنائية، حيث أصبحت الثورة منجم أفكار يفتح شهية الكتاب لإعادة ما كتب بطريقة مختلفة أو طرح أفكار جديدة تتلاءم وحجم الحرية التي حققتها الثورة في الشارع العربي وانعكاس ذلك على عالم الفن.
وينتظر المشاهدون من كتاب الفن ما سيطرحونه من أعمال عن هذه الثورة وأبعادها الغائبة عن الكثيرين.. فهل ستنجح هذه الثورة في خلق فن أفضل، وهل يمكنها أن تكون أحداثا ملهمة للكتاب والمخرجين، وما قدرة هؤلاء الكتاب على التواكب مع الحدث خلال الفترة المقبلة؟.. تساؤلات يطرحه «الحواس الخمس» في سلسلة تتوالى بدءا من اليوم مع عدد من المؤلفين والكتاب والنجوم المهتمين بالشأن الفني.
الدراما بلا شك ستكون أول من يعيد ترتيب أوراقه بناء على معطيات المرحلة المقبلة وما أفرزته الثورة، فإلى أين ستصل هذه الخريطة وما أهم ملامحها خلال الفترة المقبلة.
يؤكد المؤلف فداء الشندويلي، أن هناك الكثير من المؤلفين لديهم الرغبة في أن يعبروا بطريقتهم عن الثورة.. ولكنه عاد وقال: في حقيقة الأمر أرى أننا كمؤلفين في حاجة إلى وقت أكبر؛ لكي نقوم بتحليل ودراسة كل الأحداث السريعة والمتعاقبة التي عشناها أثناء ثورة 25 يناير، خصوصا أن شباب 25 يناير لايزالون ملتفين حول ثورتهم لتحقيق كل مطالبهم ومطالب الشعب، كما أن هناك بعض الرموز من النظام السابق لا يزالون موجودين، على حسب تعبيره، ما يعني أننا نحتاج من سنتين إلى ثلاث سنوات لتقديم هذه الثورة بالعمق الفني المطلوب وبالشكل الذي تستحقه.
ومع ذلك، يرى الشندويلي أن الدراما المصرية بعد ثورة 25 يناير ستختلف بشكل كبير، وإن كانت لن تتناول الثورة بشكل مباشر، إلا أنها ستكون أكثر جرأة، بعدما هدمت حواجز كثيرة صنعها النظام القديم، ولم يعد هناك وجود للخطوط الحمراء التي لم نكن نستطيع أن نتخطاها في وقت سابق، حيث أصبح في مقدورنا تناول بعض الرموز التي لم يكن للمؤلفين القدرة على تناولها درامياً.
صراع الشعب والنظام
ويعترف أن الثورة أصبحت سلعة رائجة نتيجة رغبة الجمهور في مشاهدة كل تفاصيل الثورة عن قرب ومعرفة بعض مفرداتها الغامضة، لكنه يحذر من السرعة في تناول هذا الحدث المهم، ويقول: لو عدنا بالذاكرة إلى الوراء وتذكرنا الأفلام التي تناولت حرب أكتوبر فسنلاحظ أنها لم تستطع أن تقدم تفاصيل ومشاهد الحروب بالشكل المطلوب، وكانت كلها محاولات عن روايات تخللتها ثورة يوليو.
وأخيرا يشير إلى أنه يستكمل الآن كتابة عمل درامي اجتماعي يرصد من خلاله حياة مجموعة من الشباب قبل الثورة وبعدها، دون التطرق للثورة بشكل مباشر حتى لا يسقط في الفخ الذي أشار إليه سابقا.. ويلقي العمل -كما يقول مؤلفه- الضوء على الصراع بين الشعب والنظام الفاسد القديم من خلال «حدوتة» اجتماعية، إضافة إلى تناول نماذج من رجال السلطة ورجال الأعمال الفاسدين قبل الثورة وبعدها.
المؤلف سلامة حمودة، يؤكد أيضا أن هناك تغيرا كبيرا سيطرأ على الدراما الهزيلة والتي اتسمت بها بعض الأعمال التي قدمت خلال فترة النظام السابق، وقال إن هذا التغير سينعكس بشكل كبير على معظم المؤلفين، وخاصة المتطرقين إلى الجوانب السياسية بمجتمعنا، حيث ستكون هناك مساحة حرية أكبر.
وأشار حمودة إلى أنه ليس من المتوقع أن نتكلم، كمؤلفين، خلال الفترة المقبلة عن مشاكل قديمة وغير مسايرة للأحداث التي نعيشها.. مشيراً إلى أنه تم تأجيل مسلسله «بذور الشك» حتى يقوم بإجراء بعض التعديلات لتكون مسايرة لواقع الأحداث الأخيرة مع استعراض لانعكاس الثورة على الشعب المصري ومدى الإيجابيات التي أحدثتها، وإلقاء الضوء أيضا على ظروف المعيشة للموطن المصري حين يتجدد الأمل بداخله لحياة كريمة، ومدى انعكاس هذا التغير على سلوكه، مع تقديم بعض مواقف الشرطة قبل وبعد الثورة وتوضيح مدى التغيرات من خلال قصة درامية. ويتفق حمودة مع الشندويلي في القول إنه لا يمكن تناول دراما ثورة 25 يناير إلا بعد استقرار الأوضاع في مصر.
رموز الفساد
ومن المؤلفين أيضا، يتحدث إسلام يوسف، مؤكدا أن ما حدث في مصر هو حديث الساعة، وسيظل في ظل ما منحه لنا كمؤلفين من حرية تجعلنا قادرين على التحدث بشكل أكثر جرأة في تناول سلبيات المجتمع.
لكن إسلام يعتقد بأن الدراما لن تستطع هذا العام تقديم أعمال درامية تتناول موضوع الثورة، لضيق الوقت مع اقتراب شهر رمضان.. لافتا أن السينما قد تكون هي الأسرع في تقديم هذه الأعمال.
وأشار إلى أنه انتهى من كتابة عشرين حلقة من مسلسل «الملك» والذي يتناول أحد المتهمين بالفساد في مصر، على حد تعبيره، وهو شخصية رجل الأعمال أحمد عز، امبراطور صناعة الحديد في النظام السابق، فيما تتضمن الحلقات العشر الأخيرة بعض أحداث ثورة 25 يناير.. مشيرا إلى أن المسلسل تبدأ أحداثه من عام 2007 حتى وقتنا الحالي والتي بدأت الاعتصامات واحتجاجات العمال وانتهت بميدان التحرير ورحيل النظام القديم.
ويلفت إسلام أنه قد عرض سيناريو مسلسل «الملك» على إحدى شركات الإنتاج قبل ثورة 25 يناير إلا أنه قد تم رفضه؛ لأنه يتناول بشكل صريح لشخصية رجل الأعمال أحمد عز ويلقي الضوء على قضايا شائكة بمجتمعنا، ولكن بعد أحداث الثورة أصبح الأمر مختلفا، وأصبحت أحداث المسلسل أكثر واقعية.
أزمة درامية
إلى هنا يتوقع المؤلف أيمن سلامة، ألا تكون هناك أعمال درامية بمصر خلال شهر رمضان المقبل سوى المسلسلات التي ستقوم بشرائها القنوات العربية؛ مثل أبوظبي، الراي، دبي، لافتا أنه من المتوقع توقف تصوير معظم الأعمال التي كان يجري تصويرها قبل الثورة في ظل عدم وضوح موقف شركات الإنتاج إلى الآن.. فضلا عن أنه من المتوقع عدم إقدام التلفزيون المصري والقنوات المصرية على إنتاج عدد كبير من الأعمال الدرامية كما كان يحدث كل عام، الأمر الذي يترتب عليه قلة ملحوظة في عدد المسلسلات، وهذا مؤشر سيئ.
وعلى الرغم من إيجابيات الثورة، إلا أنها كما أثرت بشكل مباشر في السياحة والبورصة، أثرت أيضا في الدراما، إلا أنها سرعان ما ستعود إلى عافيتها بعد استقرار الأوضاع.
وبسؤاله عن إمكانية تناول الثورة في عمل ضخم، أشار سلامة إلى صعوبة ذلك، موضحا أن الثورة لاتزال قائمة، وهناك الكثير من الأسرار التي لانزال نجهلها.
