الفيلم الوثائقي هو الأب الشرعي للفيلم الروائي وكذلك هو الخلطة الجمالية البكر للفن السينمائي، يستمد مادته من أحداث تاريخية أو يومية يتعامل مع الواقع مباشرة دون إعمال الخيال، تتعدد أنواعه وتتسع مجالاته باتساع مجالات الحياة فهناك الاتجاه الواقعي والرومانسي والسيمفوني وسينما الحقيقة والسينما المباشرة، وهي رؤى تساهم في تنمية قدرات المبدعين إلا أنها لا تجد القبول والاهتمام في العالم العربي، لأسباب يرجعها الخبراء وصناع السينما والنقاد إلي غياب الإنتاج وضعف التقنيات المستخدمة فيه، واهتمام المشاهد بأفلام التسلية على حساب إعمال العقل وإفساح المجال أمام ثقافة توثيق الواقع ومواجهة الحقيقة، والأهم تهميش طرق عرض الفيلم الوثائقي في صالات السينما وعلى شاشات التلفزيون، ومع تزايد المشكلات وإغلاق سوق البيع والشراء أمامه أفتقد كذلك الجمهور الذي يعتبر القاعدة الرئيسية لنجاح هذا النمط من الأعمال .(الحواس الخمس) استطلع آراء متعددة حول تلك الظاهرة وجاءت المحصلة التالية :

 

خالد عبد الجليل: سينما تعاني عدم إقبال المشاهدين

 

يرى خالد عبد الجليل رئيس المركز القومي للسينما في مصر أن الأفلام الوثائقية مجهولة جماهيريا في الدول العربية كافة، رغم وجود كم هائل منها لكن المشاهد لا يشعر معها بأي ترفيه، لأن السينما بالنسبة له ترفيه، إلا أنه عندما يراها للمرة الأولى يصطدم بواقع مغاير للذي يشاهده في قاعات السينما، كما لا توجد تظاهرة سينمائية وثائقية تستطيع جذب المشاهد واستقطابه، باستثناء بعض المحاولات التي لم تحظ بأي نجاح يذكر ومرت مرور الكرام، ويفاجأ البعض بأنها إما موجودة فقط في المهرجانات السينمائية أو معروضة على قناة «العربية» و«الجزيرة» الوثائقية التي تدعم إنتاج مثل هذه الأفلام وللأسف جمهورهما محدود جدا.

ويواصل عبد الجليل قائلا: تفتقر بعض الأفلام الوثائقية إلى الموضوعات وعنصر طرح الأفكار الجريئة التي تحقق الربح وبالتالي يمكن إتاحة الفرصة أمامها مثلما يحدث لبعض الأعمال الأميركية من طرحها في صالات السينما، علاوة على أن الكثير من المخرجين العرب الشباب يعزفون عن خوض تجربة الفيلم الوثائقي، وبالتالي أسهمت هذه النظرة السلبية في ضعف الإنتاج رغم أن كثيرين يعتبرون الفيلم الوثائقي سهلا ولا يحتاج إلى سيناريو، فيقوم المخرج بالتركيز على الإعداد وجمع المعلومات وإجراء المقابلات والاستعانة بالتعليق الصوتي على الصورة وشرح تفاصيل مختلفة حول الموضوع، فتكون النتائج سيئة، ويتحول الفيلم الوثائقي إلى تقرير تلفزيوني، ما يبعث في نفوس المشاهدين الملل ومع الوقت يبتعدون عنه ولا يكون في أولويات متابعتهم.

نبيهة لطفي: غياب رؤية المخرج وتجربته الذاتية

 

تؤيد المخرجة المصرية نبيهة لطفي فكرة أن غياب المنتجين هو السبب الرئيسي لغياب الأفلام الوثائقية العربية، على الرغم من وجود النص والإرث العربي الكبير في المواقع والحقائق التاريخية، إضافة إلى غياب الإمكانات الحقيقية لتصوير تلك الأفلام، واختفاء ثقافة الفيلم الوثائقي لدى الجمهور وتضيف قائلة: ومن أهم أسباب ضعف الأفلام الوثائقية العربية غياب أيضا رؤية وروح المخرج وتجربته الذاتية ما ينعكس ذلك على ضعف الفيلم الوثائقي، فعندما يتناول مخرج ما موضوع أو مكان لا علاقة له به وليس لديه أي أحاسيس أو ذكريات أو ارتباط تجاهه يسيء ذلك للفيلم، فالسينما كانت ولا زالت أداة تعبير شعرية عن الواقع ووسيلة للبحث عن الحقيقة ووجه آخر للروح وليس مجرد عكس أو عرض للسطح الظاهر، والواقع عندما يعكسه فنان مبدع له ارتباط مادي وروحي بذلك الواقع يختلف تماما عن حمل كاميرا وتصوير السطح ومحاورة هذا أو ذاك لشرح الصورة، ومن ثم أرى ضرورة عمل ورش فنية للارتقاء بهذا المفهوم لدى صناع تلك النوعية من الأفلام.

فجر يعقوب: إهمال النقاد يساهم في الابتعاد عنها

 

يقول الناقد السينمائي فجر يعقوب: من الملاحظ أن الكثير من المخرجين العرب الشباب يعزفون عن خوض تجربة الفيلم الوثائقي كون البعض يرى أنه فيلم ناقص ولا يحب الكثير من المخرجين العرب الإشارة إليهم كوثائقيين ويفضل أن يشار إليهم كمخرجين روائيين، كما أن المهرجانات السينمائية العربية تتعامل مع الفيلم الوثائقي فقط لتغطية الفراغ وخريطة برامجها التي تحسب بعدد الأفلام وأيام العروض تماما مثلما يحدث على الشاشات التلفزيونية العربية.

ويستطرد يعقوب: للأسف الشديد فان النقد السينمائي العربي في الصحف والمجلات السينمائية مع قلتها إلا انه نادرا وقليل جدا أن يخصص بعضها لتناول قضايا الفيلم الوثائقي سواء بالتعريف بالإنتاج والأفلام المنتجة والمشاركة بالمهرجانات أو بنقد وتحليل هذه الأفلام ولا ندري ما السبب، هل جهل النقاد بجماليات وأهمية الفيلم الوثائقي أم أنهم هم الآخرين يرون الفيلم الوثائقي فيلما ناقصا، رغم أنه في حقيقة الأمر إعادة اكتشاف الواقع والتعرف عليه من خلال رؤية الفنان، بطريقة التصدير المباشر للحقائق الواقعية أو بواسطة المحاكاة الدقيقة والأمينة لهذا الواقع بهدف مخاطبة العقل أو الوجدان وبغرض إثارة الرغبة في المعرفة والفهم الإنسانيين.