ربما يتفق البعض على أن للسينما دورًا كبيرًا في تحريض الجماهير، وإزاحة الستار عن كثير من الخفايا والأسرار وتوجيه الرأي العام بشكل كبير.. لكن بالنسبة للسينما المصرية فأكثر الأسئلة التي تواجهها اليوم هي: هل توقعت أو أوحت بقيام ثورة 25 يناير؟ وهل لديها القدرة على توثيق هذه الثورة بما يتوافق مع حجمها وأهميتها في أيامها المقبلة؟.. تساؤلات ناقشها «الحواس الخمس» عبر السطور التالية.
الملاحظ لمسيرة السينما خلال حقبة الرئيس المتنحي حسني مبارك والتي امتدت نحو 30 عاما، يجد أنها مالت في أغلب الحالات إلى التوثيق بشكل أو بآخر، ففيما اهتمت السينما خلال تلك الحقبة بالطرح المباشر والصريح للأنظمة السابقة ـ نظامي عبدالناصر والسادات ـ نجدها اهتمت في عهد مبارك بتناول سلبيات النظام برمزية أو توجيه انتقادات عبر قضايا اجتماعية واقتصادية على غرار أفلام العشوائيات المتكررة وبعض الأفلام التي تحدثت عن القبضة الأمنية دون اختراق هذا الحاجز السميك للخوض في تفاصيل حول هذا الجزء الأمني وكشف ما خلفه، وهذا يعني، باتفاق معظم نقاد السينما، أنها لم تتطرق إلى قضايا محددة وبشكل مباشر.
هي فوضى
وإن كانت بعض الأفلام، كما يقول النقاد، قد تناولت الاستبداد والرشوة والفساد بشكل أكثر جرأة مثل فيلم «هي فوضى» للمخرجين يوسف شاهين وخالد يوسف الذي وثق التجاوزات في السنوات الماضية وانتهاكات حقوق الإنسان، كما تناول الفيلم قضية الشرطة، كاشفا عن أساليب العنف والقمع والإهانة والترويع التي تستخدمها بفعل قانون الطوارئ الذي أتاح لها الفرصة لإطلاق يدها تحت ذريعة حماية الدولة من الإرهاب..
وقد نجح المخرج الراحل يوسف شاهين بجرأته المعهودة في طرح هذه القضية بشكل أشبه بالمباشر من خلال قصة الكاتب ناصر عبد الرحمن، ويعتقد البعض أن هذا الفيلم على وجه التحديد قد تنبأ بثورة قادمة ضد قمع الشرطة وإن كان لم يحدد ملامحها، حيث تدور قصة الفيلم حول ما يدور في عهد الرئيس السابق حسني مبارك والتي اختار لها المخرج شخصية «أمين الشرطة» كشخصية محورية قام بتجسيد دوره الفنان خالد صالح ومن خلاله أبرز الفيلم كل ألوان الفساد من رشوة ومحسوبية وتزوير الانتخابات، وأشار الفيلم إلى المقاومة بشكل رمزي ومحدود، ولكنه يبدو أنه كان يشير بشكل واضح إلى أنها شرارة.
حين ميسرة
ولكن الكثيرين رأوا في فيلم «حين ميسرة» للمخرج خالد يوسف أيضا، أكثر الأفلام التي تنبأت بقيام هذه الثورة على وجه التحديد، وعبر عن ذلك من خلال مجتمع العشوائيات، حيث المحرومين من الخدمات والتنمية، وكشف الفيلم استغلال الجماعات التكفيرية لأبناء هذه المناطق وتوظيف طاقاتهم لمحاربة الحكومة، كما قدم صورة حقيقية لأطفال الشوارع الذين تزداد أعدادهم كل يوم، وانتهى إلى أن أصحاب المناطق المحرومة ويقصد العشوائيات سيكونون الوقود المجاني للثورة القادمة ضد الفقر والفساد.
ميدان التحرير
ولكن ما يدعو للأمل أن أغلب السينمائيين المسيسين كانوا في قلب ميدان التحرير وقد حرصوا على تسجيل ملاحظاتهم وتصوير المتظاهرين وكثيرًا من ملامح الاحتجاجات والاحتفالات بانتصار الثورة، وهناك إجماع على أن السينما المصرية قادرة على التوثيق لثورة الخامس والعشرين من يناير باعتبارها ثورة شعبية كل ملامحها واضحة ومطالبها معلنة ومواقفها معروفة، كما يقول الفنان عمرو واكد، إن هناك كثيرًا من السينمائيين كانوا من الممكن أن يقدموا تفاصيل أكثر جرأة عن الفساد والاستبداد في العهد البائد، ولكن المنتجين كانوا غير مستعدين للمقامرة، في ظل الرقابة التي تمثل النظام، والتي دائما ما ترفض كثيرًا من المشاهد تحت مسميات كثيرة وهذا يعرض المنتج للخسائر، خاصة أنه من الممكن أن يرفض العمل برمته، ولكن المرحلة المقبلة قد تشهد توثيقا كاملاً للمرحلة الماضية التي شهدت عهد مبارك وفي نفس الوقت توظيف المواقف الوطنية للشباب لتقديم سينما حقيقية بلا رتوش.
خطوط حمراء
فيما أكد الفنان خالد الصاوي، أن السينما لعبت دوراً كبيراً في كشف وإبراز الفساد والاستبداد بأشكال مختلفة رغم الرقابة الصارمة التي تضع كثيرا من الخطوط الحمراء أمام أي جملة أو مشهد يعبر عن انتقادات مباشرة للنظام، وهذا قد قلل من المجازفة في إنتاج أفلام مباشرة وجريئة في التناول، ومن هنا اقتصر الطرح على نقد الجوانب الاجتماعية والاقتصادية من خلال تناول قضايا الفقر والبطالة والعشوائيات.
ويعتقد الصاوي أن التوثيق لثورة 25 يناير ممكن والوقت متاح، والذين قاموا بها أحياء وخلال فترة وجيزة ستنكشف الكثير من أسرارها والكيفية التي تم التعامل معها خلف الكواليس، مؤكدا أن هذه الثورة البيضاء ستقودنا إلى وضع اللبنة الأولى لدولة مدنية ديمقراطية تتيح لأي مصري التعبير والنقد بلا قيود.
فساد النظام
وشدد المخرج خالد يوسف، على أن السينما قامت بدور فعال في كشف الفساد ومواجهة سلبيات نظام حسني مبارك، وقال: حتى الرقابة قمنا بمواجهتها عبر القضاء وتكثيف النقد ضدها حتى نضغط عليها لتمرير أعمالنا كاملة..
وأشار إلى أن هناك أفلامًا عديدة أثارت جدلاً واسعاً بسبب نقدها المباشر لنظام مبارك، ولذلك فإن ثورة 25 يناير الشبابية هي وليدة رؤية متكاملة شارك فيها كثير من الجهات بالتعبئة النفسية ومن ضمنها السينما المصرية التي وثقت لكل العصور في مصر منذ بداية القرن الماضي، وفي صفوف صناعها المفكرون والسياسيون الذين يدركون دورهم بشكل جيد، وكذلك هناك مبدعون بين كتاب السينما لهم مواقفهم السياسية الجريئة، وكانوا مبدعين وواضحين في طرحهم.. ويعتقد يوسف أن المرحلة القادمة ستتيح لنا كسينمائيين أن نوثق لهذه الثورة، خاصة أن المعلومات كلها أصبحت على الطاولة ولابد من التأكيد على نجاح الانتفاضة الشعبية في 25 يناير التي أكدت صلابة وقوة الشعب المصري.
الأفكار مطروحة
فيما أكد السيناريست طارق البدوي، أن هناك من لهم الاستعداد من مخرجين وكتاب ونجوم للقيام بأعمال قادمة توثق للمرحلتين فترة نظام مبارك من جهة والثورة الشعبية التي أطاحت به من جهة أخرى إذا توفر لهم الحصول على تمويل، ولكن نحن نحتاج إلى بعض الوقت؛ لأن الأفكار مطروحة الآن وهناك بعض التفاصيل غير واضحة بالشكل المطلوب بحكم أن الانتقال السلمي للسلطة لم تكتمل كل جوانبه وما زالت بعض المطالب تحتاج إلى جدول زمني لتنفيذها.
بدورها أكدت الناقدة علا الشافعي، أهمية إنتاج عمل يتناول كل التفاصيل لإبراز الدور الذي قام به شباب 25 يناير، خاصة أن سقف الحرية سيرتفع بشكل كبير ما يمكن السينمائيين من طرح وقول كل ما يريدون قوله بلا رقابة، وأبدت الشافعي تفاؤلها بأن هذه الثورة سيترتب عليها إيجابيات عديدة على رأسها صياغة مختلفة للسينما والمسرح والأغنية وكل وسائل التعبير الأخرى.
