حين تلمس حبيبتك، وتر قلبك بطرف إصبعها فإن وجدانك يهتز.. يسري إحساس عميق في كل أوصالك، يأخذك معه بعيدا، يقشعر بدنك، تشعر بدماء جديدة تتدفق في شرايين قلبك، تنتفض حبا لها ودفاعا عنها، هذا ما شعر به شباب مصر حين قاموا بثورتهم يوم 25 يناير على وقع الأغاني الوطنية التي ربما لم يسمعوها من قبل.. «النشيد الوطني.. بلادي بلادي لكي حبي وفؤادي» كان هو القائد لمعزوفات الحب والوطن.. يا حبيبتي يا مصر.. احلف بسماها وبترابها.. والله زمان يا سلاحي، اشتقت لك في كفاحي.. اسلمي يا مصر أنت الفداء.. أنا مصري وأبويا مصري.. كلها أغانٍ قام المصريون بأدائها على مدى الأيام الـ18 لثورتهم البيضاء فحولوا ميدان التحرير في قلب العاصمة (القاهرة) إلى عرس وطني جديد.
الفنان محمد منير فاجأ الثوار بأغنيته «إزاي»، وحمادة هلال قدم «شباب يناير»، وشعبان عبدالرحيم «ميدان التحرير».. وحتى تامر حسني الذي طرده الشباب من التحرير لمساندته نظام حكم الرئيس السابق حسني مبارك.. يعد أغنية «في حب مصر».. والمثير أن الشباب قدم الأغنيات الوطنية القديمة بطريقتها الأصلية دون إضافة أو حذف في الكلمة..
الأغنيات الوطنية حركت وجداننا
تقول هالة، طالبة في الثانية والعشرين من عمرها: «هذه الأغنيات حركت وجداننا، ونحن جيل اعتدنا الاستماع لمطربي اليوم وأغنياتهم الوطنية، ولكنني استمعت لبعض الأغنيات الوطنية القديمة لأول مرة في ميدان التحرير، وبكيت طويلاً من رصانة وقوة المعاني وقوة التعبير الذي كان دافعاً لإشعال ثورة الحماس في نفوس الشباب للصمود حتى نهاية المطاف، وأدركت أن مثل هذه الأغنيات ستظل باقية مدى الحياة».
محمد منير يغني في حب الوطن
أما الفنان محمد منير فقال لنا إنه اعتاد تقديم أغنيات وطنية لا ترتبط بالمناسبة، لأن الوطن باق والحياة فيه مستمرة.. وأضاف: حتى الأغنيات العاطفية عندي مرتبطة بحب الوطن، لأن الذي لا يحب وطنه لا يمكن أن يعرف معنى الحب، والوطن هو الحبيب وهو الحبيبة، والغناء في حبه يثري الوجدان..
وعن أغنية «إزاي» التي ظل يرددها شباب ميدان التحرير، قال إنه أعدها منذ فترة وجاءت متناسبة مع الظروف الحالية، وكأنه كان يعدها لهذا اليوم وتقول كلماتها «إزاي ترضيلي حبيبتي.. اتمعشق اسمك وإنتي عمالة تزيدي في حيرتي.. وما انتيش حاسة بطيبتي.. إزاي مش لاقي في حبك دافع ولا صدق في عشقك شافع.. إزاي أنا رافع راسك وانتِ بتحني في راسي إزاي».
وأضاف منير أنه عندما فرغ من إعداد هذه الأغنية منذ شهور رأت الرقابة أنها تثير الغضب.. ولكن جاء غضب شعب مصر وشبابها أكبر مما يتخيل الكثيرون، وقدمتها بهذه المناسبة بعد أن ضممت لها في الكليب صورا من مظاهرات ميدان التحرير والعنف الذي واجهه المتظاهرون.
لكن صبري، في التاسعة والثلاثين من عمره قال: من حسن حظي أنني أحفظ أغلب هذه الأغاني، وكنت أرددها معهم في الميدان، خاصة في الليل عندما نغني بصوت واحد، ولم يكن يعلم الكثير من الشباب صغيري السن، وأغلبهم تحت العشرين، أن بعض هذه الأغنيات يصل عمرها إلى 50 عاما، وتجاوبوا معها وحرضتهم على مواجهة المخاطر حتى انتصروا».
تعبيرات صادقة
فجأة يلتقط خيط الحوار أشرف محمد حسين وهو شاب في الثلاثينيات، وقال: «أنا سمعت هذه الأغنيات من قبل كثيرا، ولكن كأنني أسمعها لأول مرة لأنه عندما قدمت هذه الأغاني الوطنية تفاعل معها الذين عاشوا أحداثها ومناسبتها ونحن منهم، حيث أحسسنا بتعبيراتها الصادقة، خصوصا أننا نعيش الظروف نفسها الآن، وكانت هذه الأغنيات دافعا قويا لنا للمواصلة وكانت تذكرنا بأجدادنا وآبائنا الذين استشهدوا في سبيل الوطن منذ سنوات طويلة من أجلنا ولا بد أن نقدم لأجيالنا القادمة رسالة جديدة حتى يكونوا على أهبة الاستعداد لحماية الوطن».
طريقة الغناء
فيما اعتبر أحمد مودي طريقة الغناء التي كانوا يقدمها الشباب مدهشة، وأشار إلى أن أي فرد في الميدان يمكن أن يقف وسط مجموعة ويقدم أغنية وطنية معروفة فتجد كل من في الميدان يردد وراءه، والطريف أن هناك أصواتاً جديدة ظهرت في الميدان وتم تســــجيلها وتصويرهــــا، وأشار إلى أنه شاهد البعـض يبكي وهو يردد هذه الأغنيـــات وبالطريقــة القديمة والتراثية وكأنهم فهموا معناها في هذه الفترة.
قال صابر عبدالمنعم، أحد المهتمين بالتراث المصري، إنه اندهش لهذا الإبداع، ورسوخ هذه الأغنيات في وجدان الشباب خلف الذاكرة وقدموها بنفس طريقتها ولزماتها الموسيقية ووقفاتها ونبرات مطربيها، وهذا أمر يدعو للدهشة، وأول ما لفت نظري عندما رجعت أبحث في الأمر أنهم اختاروا أغنيات وطنية بعينها تتناسب مع ثورة الشباب، وغير ذلك أنهم أضافوا لها في تقديمها عبر كورال من صغار السن كانت أصواتهم تحرك الوجدان عبر كل كلمة تحملها هذه الأغنيات.
«اسلمي يا مصر»
وأكد ياسر عبد الرحيم أن الأغنيات التي قدمت في ميدان التحرير قام الشباب بإحيائها من جديد، وأن أغلبها لا يقدم في الأجهزة الإعلامية إلا على فترات بعيدة، وطالب المسؤولين في الأجهزة الإعلامية بإحياء مثل هذه الأغنيات التي ظلت مركونة في رفوف قنواتهم ومركونة في ذاكرة الشباب الذي استدعاها، وقتما أحس أنه محتاج لها للتعبير عن واقع ما زال المصريون يعيشونه حتى الآن، وبالتالي أصبحت دافعاً قوياً مثل أغنية «اسلمي يا مصر»، فهي أغنية كانت بحق مثبتة للقلوب ودافعة للنضـــال وكذلك «أنا مصري وأبويا مصري» وهذه الأغنية كانت تفعل فعل السحر وهي مليئة بالاعتداد بالوطن وبالآباء الذين صنعوا الأمجاد لمصر.
وأشار إلى أن الأغنيات الوطنية الجديدة التي قدمت خلال السنوات الأخيرة يفترض أن تبث جنبا إلى جنب مع الأغنيات الوطنية القديمة.
هتافات معبرة
وحين سألنا مجدي السيد، أحد شباب ميدان التحرير: كيف تم تنظيم هذه الاحتفاليات في الميدان؟ قال إن الهتافات كانت معبرة جداً، ولكن بعد يوم الثامن والعشرين قررنا الاعتصام وعدم مغادرة الميدان إلا بعد تحقيق هدفنا برحيل الرئيس مبارك ورأينا أن الأغنيات الوطنية هي الملهمة للمشاعر الوطنية..
قدمنا أولاً النشيد الوطني «بلادي بلادي» وكان هذا النشيد الركيزة الأساسية للانطلاق في التعبير بالأناشيد والغناء الثوري باعتباره يمثل نداء واضحاً للثورة، ثم بدأنا في تقديم أغنيات وطنية وتجاوب معها الجميع بشكل كبير وظهر كثير من الأصوات الجميلة من غير المطربين في تظاهرات ميدان التحرير، فهؤلاء يبدأون الأغنية ثم يجدون الجميع يرددها وراءهم..
وعن اختيارهم الأغنيات القديمة قال إن الأغنيات القديمة تعبر عن واقع مشابه لأنها كتبت أثناء الحروب ولحظات التغيير وغيرها، وهى تعبر عن ظروفنا ومشروعنا.. وجدنا في القديمة تحريضاً كبيرا كنا نحتاجه في ظروف صعبة نواجه فيها نظاما لديه كثير من العصي الغليظة.
