يلاحقك وجهه بابتسامة من الصعب رؤيتها دون أن تبادله مثلها، فهو كما يُقال «له طلته المميزة»، إذا تحدث كان للصوت «وقع معروف» على الأذن، و«طريق مرسوم» إلى القلب، كأنهما على لقاء دائم منذ سنوات، ولعل سبب ذلك ما يُوصف به من أن لديه القدرة على الغوص في أعماق الأشخاص والأشياء ببساطة..

 

هو الفنان عمار الشريعي الذي كانت السخرية التلقائية إحدى وسائله في مواجهة الأزمة التي شهدتها مصر منذ الخامس والعشرين من يناير الماضي وما تبعها من احتجاجات وتظاهرات كبيرة، فقد ظل مهموما طوال العشرة أيام الأولى من الأزمة بحال وطنه، يدافع عن هذا وينتقد ذاك دون أن ينام، حتى قاده التعب والإرهاق لأن يصاب بأزمة قلبية عقب لقائه بمجموعة من شباب المتظاهرين بميدان التحرير..

مواقف عمار السياسية مع بلاده مصر كثيرة، غير أن أكثرها تأثيرا فيه، ما حدث يوم 25 يناير وخروج آلاف الشباب للتظاهر في ميدان التحرير للمطالبة بإسقاط النظام المصري، لدرجة أن وصف الشريعي هؤلاء الشباب بـ« الرجالة الذين قدموا لمصر ما لم يستطع هو وجيله أو من ظهروا بعده عمله»، وفي سياق متصل دخل عمار في حرب كلامية مع التلفزيون الرسمي لبلاده، واصفاً تغطيته لحدث التظاهرات بالمتخلفة، مستندا إلى حالة التغييب التي كان عليها التلفزيون المصري وعرضه أفلاما كوميدية في وقت كانت فيه القاهرة ومحافظات أخرى تغلي من التظاهرات.

ورغم فقدان بصر الشريعي الذي قد لا تشعر به عند رؤيته، إلا أن البصيرة العقلية لديه كانت أقوى، ليس لأنه يقوم بكل شيء فقط، بل لأنه استطاع اقتحام أحد المجالات الذي أقل ما يوصف به بـ «الصعوبة»، ليس لكون هذا المجال يحتاج لموهبة فقط، لكن للتميز أيضا، فقد استطاع أن يرى بأذنه وأصابعه ما يراه كل ملحن وعازف وعاشق للموسيقى، وربما أكثر، فتجده يقول: «فقدان البصر إما أن يخلق كائنًا ضعيفًا جدا أو كائنًا قويًا جدا».

 

بصمة موسيقية

وعمار علي محمد إبراهيم علي الشريعي؛ أو عمار الشريعي الموسيقار المصري صاحب البصمة الخاصة في كثير من الأعمال ما بين الأغاني ومقدمات المسلسلات والأفلام «تترات»، سواء صاحبها كلمات أو كانت موسيقى فقط، هو قيمة موسيقية على المستوى المصري والعربي لا يمكن تجاهلها، وله رؤيته الخاصة التي تم وصفها بالصادقة، لعلها خلقت مساحة من الثقة جعلت الشباب المصري ممن خاضوا المظاهرات يوم 25 يناير الماضي والمعروفة بـ«ثورة الغضب» لاختياره ضمن «لجنة الحكماء» التي تم تشكيلها للحوار مع نائب رئيس الجمهورية؛ لتمثيل مطالب الشباب الذين قاموا بهذه الثورة، ليأتي الشريعي بين 10 شخصيات تنوعت ما بين ثقافية وسياسية وقانونية وعلمية ضمتها اللجنة، وهذه نهاية القصة، فماذا عن البداية؟

في إحدى قرى محافظة المنيا تسمى «سمالوط» بصعيد مصر، وتحديدا يوم 16 أبريل 1948، رُزقت عائلة الشريعي بطفل أراد له الله أن يفقد نعمة الإبصار سموه «عمار»، الوالد صاحب أراض يعمل بها أو كما يسمى بالمصرية «عمدة» ووالدته ربة منزل، ولم يكن هناك ما يدفع الطفل عمار وهو في الثالثة إلى حب الموسيقى والأغاني غير تلك الأغاني الشعبية التي كانت تحفظها والدته وترددها، إلى جانب خاله الذي كان محبا للموسيقى أيضا، ولعله أول من شجعه في مجال الموسيقى والغناء من خلال توفير التسجيلات له..

 

مدرسة المكفوفين

وفي سن الخامسة كأي طفل يرسله والداه إلى المدرسة القريبة من المنزل، غير أن عمار ووالديه لم يجدوا سبيلا سوى الانتقال إلى القاهرة لإلحاق عمار بالمدرسة، حيث لم تكن بمصر بل والشرق الأوسط مدرسة للمكفوفين سوى مدرسة «المركز النموذجي لرعاية وتوجيه المكفوفين»، ليتلقى هناك تعليمه الابتدائي والإعدادي والثانوي، تلك المدرسة التي كان لها تأثير كبير في طريقه الإنساني والفني، هناك تعلم التعامل مع الحياة بكل ما شملت؛ لأنها المدرسة الوحيدة للمكفوفين في ذلك الوقت للطلاب من مختلف الفئات الاجتماعية، وإن غلب وجود الزملاء الفقراء الذين تعلم منهم الاشتباك مع الحياة وأن فقدان البصر مسألة تتكون لتصبح قرارًا، وليس في تخطي ذلك بإعجاز على حد وصف الشريعي في حواراته.

أما عن حب الموسيقى داخل المدرسة الذي كان قد تحول إلى رغبة في التعلم، فعلى الرغم من تعلمه العزف قبل التحاقه بالمدرسة على يد ابنة عمه التي كانت تدرس الموسيقى فعلمته العزف على البيانو بالسماع، حيث كان يحفظ النغمات بأسماء الأصابع، حتى إنه استطاع أن يتعلم بنفسه العزف على آلة تعرف بالريكورد، إلا أنه داخل المدرسة وجد المزيد، ففي الصف الرابع الابتدائي كانت أول مقطوعة يعزفهــا ليس على البيانو، إنما على العود، الذي تولى أستاذ الموسيقى سيد حســـنين عفيفي تعليمه له؛ ليتعلم أيضا العزف على آلتي الاكسليفون والاكورديون.

 

دراسة الموسيقى

استمر الشريعي في تعلم الموسيقى وممارستها كنشاط مدرسي، إلى أن جاءت الخطوة الواسعة في تعلم الموسيقى عندما التحق بمدرسة «هادلي الأميركية» ليدرس مناهج الموسيقى بها، وجاء ذلك عندما أرسل أستاذ التربية الرياضية والهاوي للموسيقى عبد الله محسن إلى «هادلي» يخبرهم عن عمار ورغبته في استكمال تعليمه ضمن منهج المدرسة، والجدير بالذكر أن مدرسة «هادلي» هي مدرسة لتعليم المكفوفين تضم تخصصات عديدة مثل الهندسة والموسيقى، وتعتمد الدراسة بها على تحصيل الطالب ذاتيا لمناهج مستويات متدرجة، على أن يتم الاختبار لاجتيازها عن طريق ممتحنين ترسلهم إلى مختلف البلاد، وهكذا ظل الشريعي تسع سنوات يدرس مناهج الوزارة صباحا ومناهج مدرسة «هادلي» في المساء.

 

أيام البعير الأجرب

ليأتي عام 1966، حيث استكمل عمار المرحلة الثانوية وأصبح على استعداد لدخول الجامعة، ومع حبه الشديد للموسيقى بل ودراستها، إلا أنه التحق بكلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية؛ ليفي بوعده لوالدته التي طلبت منه استكمال دراسته أولا ثم استكمال المشوار كما يريد، تلك المرحلة التي شهدت الكثير، خاصة بعد وفاة والده وهو في سن 16، والذي أثر فيه كثيرا، وربما زاده تحديا وإصرارًا ليكون مثلما أراده والده قوياو «وليس في مهب الريح» -على حد تعبيره-، وإن لم تكن الأيام الأولى بالجامعة جيدة، حتى إنه عندما سئل في حوار معه عن ذلك، قال: «كانت 40 يومًا أصفها بأنها أيام البعير الأجرب، وهي الأيام التي يتم فيها إبعاد الجمل عند إصابته بمرض الجرب عن القافلة، الجميع كان يبتعد عني، حتى إنني لكي أذهب من مدرج إلى مدرج أسأل خمسة أشخاص في مسافة مترين»، إلا أنه تغلب على ذلك كعادته، واستطاع أن يجذب إليه الزملاء بحضوره المميز في المحاضرات ومشاركته في حفلات الكلية والأنشطة الموسيقية المختلفة، حتى إنه كان رئيس اللجنة الفنية بالكلية.

 

مرحلة السبعينات

وبعد أربع سنوات، وفي عام 1970، تخرج في كلية الآداب؛ ليبدأ المشوار الموسيقي الاحترافي، فبدأ العمل كعازف أكورديون في عدد من الفرق التي كانت منتشرة في ذلك الوقت، منها فرقة «نادي الوافدين»، ثم في فرقة الموسيقار صلاح عرام المعروفة باسم الفرقة الذهبية لثلاث سنوات.

ولعبت المصادفة دورًا في حياة الشريعي الموسيقية عندما تحول الشريعي إلى واحد من نجوم العزف على الأورج عندما طلب منه صلاح عرام في إحدى الحفلات العزف بعد تأخر هاني مهنى عازف الأورج بالفرقة، ولتستعين به في بعض الأحيان فرق أخرى كالماسية وفرقة أحمد فؤاد حسن.

 

غواص في بحر النغم

تجربة الشريعي في عالم الموسيقى التصويرية للأفلام تجربة ثرية، لعل أبرزها «أرجوك أعطني هذا الدواء»، ومعها يقرر الشريعي دخول تجربة جديدة وهي الغناء مع التلحين، لكل منها أسبابها بالنسبة له، فكانت أغنية «البريء» عام 1986 للفيلم الحامل للاسم ذاته، وكتيبة الإعدام، فالأولى لتأثره بالفيلم بعد مشاهدته لينهيها بعد ثلاثة أشهر توقف في 6 ساعات عمل، ووصف الشريعي ذلك قائلا: «عندما أتأثر أبدع»، وتأتي تجربة «حبيبتي» بفيلم «كتيبة الإعدام» بالغناء مع المطربة هدى عمار للسبب ذاته، ولرغبة الشريعي في تقديم هدى ببداية قوية تمحو عنها الخوف حتى تستكمل مشوارها الغنائي.

واختتم الشريعي تلك الفترة عام 1988 بأولى تجاربه النقدية في الموسيقى بإعداد وتقديم البرنامج الإذاعي الشهير «غواص في بحر النغم»، تلك التجربة التي أعادها أخيرا على راديو مصر باسم «مع عمار الشريعي»، وصاحبها برنامجه على التلفزيون «سهرة شريعي»، وفيه يستضيف أحد الفنانين، سواء ممن عمل معهم أو غيرهم.

 

جوانب إنسانية

وطوال مشوار الشريعي البالغ 63 عاما والحافل بالكثير من التكريمات والجوائز، لم تخل أعماله الموسيقية من الجانب الإنساني من ناحية، والرؤية الشخصية المتمثلة في الرسالة التي يرى أنها تساعده على الاستمرار التي قد تلمسها في مقولته «الأغاني إذا صنعت الوجدان صنعت قوة إلى الأمام»، الرؤية في كل شيء يحدث حوله، حتى لو كان بعيدًا عن الموسيقى التي إذا تحدث عنها حديث متخصص، بينما إذا تحدث خارجها كان حديث رجل الشارع العادي، هكذا عبر في حوار سابق له، ولعله عبر عن هذا في تجربته الأخيرة برمضان «مسحراتي مصر البهية»، في تعاون آخر مع الشاعر سيد حجاب ،وفيها عبر بصوته عن كثير مما يجول في نفس المواطن المصري..

ولأن مصر بشكل خاص والوطن العربي بشكل عام لا يخلوان من المشاكل التي كثيرا ما ترتبط بالسياسة، ولأن الفن جزء من الفكر، فقد كانت للشريعي رؤيته التي عبر بها، سواء من خلال أعماله أو أحاديثه، فنجده في الفترة من 1991 وحتى 2003 يشارك في وضع موسيقى وألحان احتفالات أكتوبر التي تقيمها القوات المسلحة المصرية بالتعاون مع وزارة الإعلام، ونجده يقول إنه لم يكن ليدخل حزبًا رغم حبه للرئيس المصري جمال عبدالناصر وأفكاره، لكنه لم يكن يساريا أو شيوعيا؛ لأن المصلحة القومية هي الأهم عنده، وقالها صراحة في حوار سابق له: «أن يكون للفنان موقف سياسي في بلدنا «غلط»، وإذا كان هيجيب وجع الدماغ بلاش أحسن».