بعدما ترددت أخيرا أخبار حول قيام جهات وأشخاص في مصر للتجهيز لتصوير فيلمين الأول عن المسيح والثاني يتناول حياة السيدة مريم، صار السؤال: هل الشارع العربي مؤهل لمشاهدة أفلام سينمائية تتجسد فيها شخصية نبي؟ سؤال يفرض نفسه، لاسيما بعد حالة الشغف التي سيطرت على الجمهور في الدول العربية عندما تابع على الفضائيات المسلسل الإيراني «النبي يوسف» وما صاحبه من فكرة تجسيد الأنبياء على الشاشة، وهو ما يدفعنا إلى إعادة قراءة تاريخ سينما هوليوود التي قدمت أفلاما عديدة عن الرهبان والقديسين وأفلاما أخرى جسد فيها ممثلون عالميون شخصيات الكثير من الأنبياء.
لا شك أن تيار المغامرة السينمائية دفع بعض المخرجين إلي تجسيد شخصيات الأنبياء في أفلام تثير الجدل والاتهامات، وكان للسينما العالمية السبق في كسر التابوهات الدينية والقفز على المحظورات، حيث تناولت سيرة الأنبياء مثل النبي داوود والنبي سليمان والنبي يحيي «يوحنا المعمدان» مرورا بسيدنا نوح وموسى وإبراهيم، فضلا عن الأفلام التي تناولت قصة السيد المسيح وواقعة العشاء الأخير والصلب مثل «الإغواء الأخير للسيد المسيح» و«آلام المسيح» للمخرج والنجم السينمائي ميل جيبسون، وقد بلغ عدد الأفلام جميعها حوالي 350 عملا احتفظت ذاكرة السينما بالعديد منها، وفي العشرينيات من القرن الماضي تجسدت على الشاشة شخصية النبي إبراهيم عليه السلام، وقام بدوره جورج سكوت في فيلم «الإنجيل»، وفي الفيلم نفسه جسد جون هيستن دور نبي الله نوح، وأثار الفيلم ضجة ومنعت بعض الدول عرضه وتعرض صانعوه لسيل من الاتهامات والانتقادات.
كما ظهر في العشرينات من القرن الماضي فيلم حمل عنوان «سفينة نوح» وقبله كانت هناك أفلام «قضاء سليمان» عن قصة سليمان والمرأتين، وفيلم «موسى» الذي قدم عام 1910 وأعيد إنتاجه عام 1975، وفيلم «الوصايا العشر» الذي أخرجه سيسيل دي ميل عام 1924 وأعاد تقديمه عام 1959 بإمكانيات إنتاجية ضخمة ورؤية سينمائية مغايرة.
وقدم الممثل شارلتون هستون دور يوحنا المعمدان في فيلم «أجمل القصص المحكية» للمخرج جورج ستيفنز عام 1963، وجسد يول براينر دور النبي سليمان في فيلم «سليمان ومملكة سبأ» الذي أخرجه كينج فيدور عام .1959
وظهر نبي الله يحيى في أكثر من عشرة أفلام منها «سالومي» عام 1918 و«سالومي» 1953 و«ملك الملوك» 1961 و«سيمون الصياد» 1959 و«سالومي» 1974 و«الإغواء الأخير للمسيح»، والفيلم الأخير مأخوذ عن رواية للكاتب اليوناني الشهير نيكوس كازنتزاكيس، وأثار العملين الأدبي والسينمائي انتقادات صاخبة للخروج عن الخط التقليدي لقصة السيد المسيح في الإنجيل، ورسم خيال المؤلف ملامح حياة أخرى كحلم متقطع بين لحظات الإفاقة من آلام الصلب، وأسقط عليه صاحب رواية «زوربا» رؤاه الفلسفية والفكرية الجانحة نحو الثورة والجموح الإنساني للعدالة بما وصفه البعض بالإلحاد.
وفي الثلاثينات تم تقديم العديد من الأفلام التي ظهر بها أنبياء مثل «أغنية المهد» و«جحيم دانتي» و«حديقة الله» و«الضوء الأخضر» و«أبناء المدينة»، ومع بداية الخمسينات عادت هوليوود وقدمت مسرحية أوسكار وايلد «سالومي» و«سدوم وعمورة» وفيلم «يوسف على أرض مصر» من إنتاج شركة تانهاوزر الأميركية، وتميزت هذه الأعمال بالإبهار البصري وضخامة الإنتاج وكثرة عدد الممثلين، وتعد حسب النقاد توثيقا سينمائيا لقصص الأنبياء، وقام أغلبها بطرح الخلفيات التاريخية وحكمة ظهور الرسل والأنبياء في إطار وعظي يثمن ويؤكد تعاليم الرسالات السماوية.
ويرصد المؤرخون ظهور أول فيلم عن حياة السيد المسيح في عام 1897، ولكن البداية المؤثرة لتلك الأفلام كانت في عام 1906 بالفيلم الفرنسي «ميلاد المسيح» وهو فيلم أبيض وأسود قصير مدته 20 دقيقة، ويعد من أشهر الأفلام التي أنتجت عن عيسى عليه السلام، أما أكثر الأفلام إثارة للجدل فهو فيلم «المسيح» لأن مخرجه «روبرتو روسيليني» إضافة إلى أنه من أصل يهودي إلا أنه اشتهر بإلحاده، ولذا كانت مغامرته السينمائية محفوفة بالمخاطر وبات من أفلام القائمة السوداء المحظورة.
أما أشهر هذه الأفلام على الإطلاق فهو «آلام المسيح» صدر عام 2004 إخراج ميل جيبسون، وهو الفيلم الذي تجرأ على اتهام اليهود صراحة بأنهم قتلة المسيح، وتسبب في ملاحقة بطل «القلب الشجاع» بتهمة معاداة السامية.
وفي تقرير لجريدة النيوزويك الأميركية أشارت إلى أن السينما وثقت حياة السيد المسيح برؤى فكرية وفنية مختلفة، واحتفظت ذاكرة المشاهدة بأفلام دينية قليلة بين الـ350 فيلما، حيث انصرف الجمهور الغربي عن الأفلام التي جنحت إلى الوعظ والالتزام الحرفي في تناول شخصية نبي الله، وبدت الأفلام المثيرة للجدل هي الأشهر والأكثر تحفيزا للنقاد والمشاهدين على متابعتها.
«سيسيل دي ميل» الأكثر تجسيداً لشخصيات الأنبياء
يعد سيسيل دي ميل أكثر من قدم أفلاما عن الأنبياء، فبخلاف «الوصايا العشر» قدم أيضا فيلم «الصليب والصليبيون» 1937 و«شمشون ودليلة» عام 1948، أما يول براينر قام أيضا بأداء دور النبي سليمان في فيلم «سليمان ومملكة سبأ» الذي أخرجه كينج فيدور عام 1959، كما جسد بعض الممثلين شخصيات الأنبياء على شاشة السينما وكان أبرزهم الأميركي «جيمس كافييز» عن فيلم «آلام المسيح» من إخراج ميل جيبسون و«برياند ديكوم» الذي جسد شخصية المسيح في فيلم «يسوع» إنتاج عام 1979 وتيد نيللى جسد دور المسيح فى فيلم «يسوع المسيح سوبر ستار»، وشارلتون هيستون الذي قدم شخصية سيدنا موسى في فيلم «الوصايا العشر»، وقدم يوحنا المعمدان (نبي الله يحيى) في فيلم «أجمل القصص المحكية» الذي أخرجه جورج ستيفنز عام 1963 وجورج سكوت الذي جسد شخصية سيدنا إبراهيم في فيلم «الإنجيل»، وهو الفيلم نفسه الذي قام فيه جون هيوستن بدور نبي الله نوح.
«يوحنا المعمدان» الأبرز ظهوراً في الأفلام
تعد شخصية يوحنا المعمدان «نبي الله يحيى» من أكثر الشخصيات الدينية ظهورا على شاشة السينما في أفلام سالومي (1918) وسالومي (1953) وملك الملوك (1961) وسيمون الصياد (1959) وسالومي (1974) والإغواء الآخر للمسيح، كما ظهر خلال فترة العشرينات في فيلم «سفينة نوح».
زووم
«الوصايا العشر» أهم الكلاسيكيات الحاصدة للأوسكار
وجدت السينما العالمية منذ مهدها في حياة الأنبياء مادة درامية ثرية تحولت إلى أعمال سينمائية ولم تكن أفلاما دينية بحتة بل تحمل قيما فنية حيث تعتبر بعضها من كلاسيكيات السينما العالمية ونالت بعضها جوائز الأوسكار وأشهر هذه الأفلام على الإطلاق هو فيلم «الوصايا العشر» من إخراج سيسيل دي ميل والذي قدمه مرتين الأولى عام 1924 من بطولة شارلتون هيستون وأعاد تقديمه عام 1956، كما قدمت السينما العالمية عن موسى فيلم آخر هو «أمير من مصر» والذي ادعى للمرة الاولى أن رمسيس الثاني هو فرعون الخروج، وفيلم «موسى» عام 1975، وفيلم «الإنجيل» عن حياة سيدنا إبراهيم.
واختار معهد الفيلم الأميركي الوصايا العشر بين أفضل 10 أفلام دينية ملحمية في تاريخ السينما العالمية ومعه أيضا أفلام «شمشون ودليلة» بطولة فيكتور ماتيور وهبدتي لامار وإخراج سيسيل دي ميل و«ملك الملوك» ويحكي عن معجزات السيد المسيح بطولة جيفري هانتر و«بن هور» بطولة شارلتون هستون وإخراج وليم وايلر و«الرداء» بطولة فيكتور ماتيور وجيني سيمونز و«إسبارتكوس» بطولة كيرك دوجلاس و«كوقاديس» بطولة روبرت تايلور وإليزابيث تايلور وديبور و«المصارعون» بطولة فيكتور ماتيور و«ســليمان وملكة سبأ» بطولة تايــرون باور و«المصارع» من إخراج ريدلي اسكون عام 1999، وفى الثلاثينــات ظهر العديد من الأفلام التي ظهر بها أنبياء مثل «أغنية المهد» و«جحيــم دانتــي» و«حديقة الله» و«الضوء الأخضر» و«أبناء المدينة».
فلاش
الأفلام الإسلامية خضعت للمراجعة والحذف والتعديل
يؤكد النقاد أن السينما المصرية اقتربت بحذر من أفلام الأنبياء، واكتفت لوقت طويل بالأفلام التاريخية والشخصيات المسموح بظهورها على الشاشة، وحين أقدمت على تناول قصة حياة محمد (صلى الله عليه وسلم)، خضعت السيناريوهات لمراجعة دقيقة وحذف وتعديل حتى خرجت إلى النور، ومنها أفلام «ظهور الإسلام» عن «الوعد الحق» لطه حسين و«هجرة الرسول» للمخرج إبراهيم عمارة و«فجر الإسلام» للراحل صلاح أبو سيف و«الشيماء» للراحل حسام الدين مصطفى. ويعد فيلم «الرسالة» إنتاج 1976، من أهم الأفلام التي تناولت حياة الرسول الكريم، بداية من لحظات الميلاد وحتى فتح مكة، وأشاد النقاد بموهبة مخرجه مصطفى العقاد الأميركي الجنسية والسوري الأصل، واعتبروا الفيلم وثيقة فريدة لتأريخ حقبة تاريخية مهمة في صدر الإسلام، وتعريف العالم الغربي برسالة الإسلام ومقاصده، وظل فيلم «الرسالة» ممنوعا من العرض في مصر لسنوات طويلة، لاعتراض الأزهر على تجسيد شخصية حمزة عم الرسول، والذي قام بدوره في النسخة العربية عبد الله غيث والإنجليزية أنتوني كوين، حتى أصبح متاحا للمشاهدة عبر العديد من القنوات الفضائية.
