إذا كانت معظم الأفلام العربية تنتمي إلى السينما الواقعية والتجارية التي تراعي التركيز على ما يحتاجه الجمهور وتضع عيونها كثيراً على شباك التذاكر، فإن سينما المؤلف تحضر بشكل قليل جداً في المشهد السينمائي العربي لطابعها الفني والجمالي والتجريبي والثقافي والنخبوي، وبالتالي فهي لا تزال تعاني من رفض الجماهير ولا تحقق الأرباح المرجوة التي تحققها السينما التجارية التي تدغدغ عواطف الجمهور وتلعب على إثارة المشاعر، وعلى الرغم من ذلك استطاعت خلال السنوات الأخيرة أن تحمل مجموعة رؤى جديدة في محاولة لإعادة صياغة ثقافة المتفرج والمناخ السينمائي عموماً، فيا ترى ما هي تلك النوعية من الأعمال وهل هناك توصيف واضح لسينما المؤلف وما مؤشرات استيعاب المشاهدين لها؟

«الحواس الخمس» استطلع آراء متعددة حول تلك الظاهرة وجاءت المحصلة التالية.

يسري نصر الله: تترجم الأفكار الذاتية للمخرج المؤلف

يؤكد المخرج يسري نصر الله أن مصطلح «سينما المؤلف» اقترن بالمخرج الفرنسي الشهير جان رينوار، فهو الذي أجاد التعامل مع هذا النوع من المدارس السينمائية، حيث كان فن رينوار وكأنه لا ترابط بين بعض أجزائه، فحول الموضوع الأساسي كانت تنتظم في غير ترتيب موضوعات ثانوية تؤلف عدداً من المسارات التي يسلكها الفيلم قبل أن ينضم إلى المسار الرئيسي للأحداث، ويسترسل نصر الله قائلاً: بشكل أدق فإن سينما المؤلف بمفهومها كقصة سينمائية، هي وليدة تراكم فكرة فلسفية يتم تطويرها بأفعال وتفاصيل سينمائية تتم معالجتها درامياً يتنوع فيها الخط الدرامي المبني على أساس صراع الشخصيات سواء أكان داخلياً أم خارجياً، ومن هنا فسينما المؤلف تحمل مجموعة من الرؤى الذاتية والفلسفية العميقة المغلفة بالغموض وهي تترجم أفكار المخرج المؤلف الذاتية والموضوعية، وترصد مناحيه الإبداعية.

وحيد حامد: المناخ السينمائي غير مستعد لإصلاح الوضع

«سينما المؤلف» هي السينما التي تقوم من الألف إلى الياء على إبداع المؤلف أي صانع وصاحب الورق ويقول الكاتب وحيد حامد: نحن لدينا العديد من النجوم الموهوبين لكن ينقصهم التخطيط السليم والنص الجيد، وكذلك لدينا كتاب جيدون ولكن ينقصهم الجهة الإنتاجية وبعض من الجهد وعدم الاستسهال، وبالتالي نستطيع أن نؤكد ألا عمل سينمائي ناجح دون اكتمال عناصره، فمهما كان النص جيداً والممثل ضعيفاً لن ينجح العمل والعكس صحيح، وأضاف: أؤكد أننا نمتلك كل هذه العناصر إلا أن الثقافة العامة والمناخ الفني الذي نعيشه لا يساعد على توظيفهم، ولكن لا أحد يستطيع أن ينكر أن المؤلف في الآونة الأخيرة بدأ يظهر من جديد، وبدأ الجمهور يعلم أهميته ويلاحظ تواجده.

كمال رمزي: مؤشر لثقافة الجمهور ورفض الأعمال الهابطة

 

يرى الناقد السينمائي كمال رمزي أن ما يحدث الآن فنياً ليس له علاقة من بعيد أو قريب بدراما المؤلف، لأن التعريف الصحيح لسينما المؤلف أن يكون المؤلف والمخرج شخصاً واحداً، كما كان يوسف شاهين يصنع في ثلاثيته الشهيرة (إسكندرية ليه، حدوته مصرية، وإسكندرية كمان وكمان) ويسري نصر الله في بدايات أعماله، وأضاف رمزي قائلاً: وما يحدث الآن أحياناً كما هو في أفلام إيليا سليمان (يد إلهية، سجل اختفاء، والزمن الباقي) هو عودة للسيناريوهات الجيدة والقيمة، ويضيف: أتمنى أن تعود دراما أو سينما المؤلف لأنها ستكون مؤشراً لعودة أشياء كثيرة منها ثقافة الجمهور ورفضه للأعمال الهابطة والبعد عن سينما المقاولات التي تتحكم في شباك التذاكر بأفلامها المسلوقة وغير الفنية.

عمرو واكد: العمل الفني لا ينجح إلا إذا اكتملت عناصره

 

يقول النجم عمرو واكد: سينما المؤلف موجودة في مصر منذ قديم الأزل، فكان الريحاني وراءه بديع خيري وإسماعيل يس وراءه الإبياري ولكن في الوقت ذاته لا نستطيع أن نقول إن المؤلف مهما كانت الظروف يستطيع أن يرفع من شأن عمل فني أو يخسف به الأرض، لأن أي عمل فني لا ينجح إلا إذا اكتملت كل عناصره، ويضيف واكد قائلاً: أرى أن الأعمال الجيدة أصبحت استثناءات لأن العودة الحقيقية تحتاج إلى مناخ مختلف تماماً كما نعيشه، فالمناخ الحالي يسيطر عليه السوء والتراجع والتجارة، بالإضافة إلى تراجع ثقافة المجتمع بأكمله، لكن الشيء المفرح الوحيد في هذه الاستثناءات أنها تؤكد أنه لا يزال لدينا كتاب عظماء وموهوبون، ولا نستطيع أن نقول إن هناك عودة حقيقية لسينما المؤلف إلا إذا كانت العودة كاملة وشاملة، ولكن هذا يحتاج إلى وقت طويل.