تشعر بها، ولكن لا تراها، تدغدغ الأذن، وتلامس الوجدان، وتتسلل إلى مشاعرنا، يتذوقها الطفل الرضيع والشاب المراهق، الرجل العاقل والكهل المسن، تلطف المشاعر وتسمو بالنفوس، وتبعث فيها النشوة والبسمة، كل هذه الأحاسيس تشعر بها حينما تستمع لمقطوعتك الموسيقية المفضلة. ولكن وعلى الرغم من أهمية الموسيقى في حياتنا، إلا أن هناك العديد من العقبات تقف أمام تطورها، فهناك من يرى أن الموسيقى أمام استعمار حقيقي يريد القضاء على الفن الأصيل، وأنها تتعرض لجملة من الهجمات الشرسة للقضاء عليها، وذلك نظرا إلى أسباب عدة، من ضمنها عدم وجود مسارح مجهزة لعازف منفرد في الوطن العربي، كذلك عدم اهتمام المدرسة والأسرة بتنمية موهبة الموسيقى بداخل الطفل، وركض بعض العازفين وراء المادة غير آبهين بالموسيقى الراقية، إضافة إلى اهتمام الشعوب العربية بالأغاني.

الجمهور العربي دائم التعليق والنقد

 

يرى مؤلف الموسيقى علاء شاهين أن المهرجانات احتفلت كثيرا بين اليوم وأمس، ففي الماضي، وعلى حد تعبيره، كان هم العازف الوحيد هو إظهار أفضل ما عنده بمعزوفات موسيقية راقية، تظل محفورة في التاريخ، أما اليوم فقد تغير الوضع لتطغى المادة على العمل الموسيقي. مؤكدا أن الموسيقى العربية هي أصل العالمية لاحتوائها على عمالقة في التلحين أمثال رياض السنباطي وعبده داغر، إلا أنه لا ينكر وجود اختلاف كبير بين المستمع العربي والغربي يكمن في إنصات السامع الغربي للموسيقى واحترامه لها، مسجلا إعجابه بحماس السامع العربي للمقطوعات التي تنال إعجابه. أما عن الفرق بين الجمهور العربي والغربي فيقول: السامع الغربي يتميز بإنصاته الشديد للموسيقى واحترمه العازف، إلا أنه يفتقد الحماس الموجود بداخل الجمهور العربي الذي يعبر عن إعجابه دائما بالتصفيق، إلا أنه دائم التعليق والنقد بسبب أو من دون سبب.

 

 

الموسيقى وسيلة فاعلة في تهذيب المشاعر

 

عن الأشياء التي تنقصنا بالعالم العربي حتى نصل بموسيقانا للمستوى المطلوب، يقول مؤلف الموسيقى مالك جندلي: توعية الطفل وتنمية موهبة الموسيقى بداخله وليس كدراسة فقط شيء مهم، وذلك لكي نخلق لديه إمكانية التأليف والابتكار والإبداع والتذوق الموسيقى، كذلك يجب أن تهتم الأسرة بتنمية مواهب طفلها. فالموسيقى تزرع الرقي بداخل الإنسان، وتعتبر وسيلة تواصل الذهن بالروح في الشخصية الواحدة، وهي أيضاً وسيلة فاعلة تسهم في تهذيب المشاعر وتعزيز التفاهم تحت مظلة قيم الجمال والانسجام. ويضيف: اعتقد بأننا نمتلك القدرة على خلق بيئة صحية لصناعة الموسيقى، فنحن نمتلك تاريخا موسيقيا عظيما، ومن ضمن هؤلاء الموسيقيين زرياب الذي كان له أثر كبير في أوروبا، حيث كان يدرس البعثات الأوروبية القادمة إلى الأندلس بمدرسة الموسيقى، التي أنشأها في بلاط عبدالرحمن، والتي كانت تدرس فها أصول الموسيقى والغناء والعزف بمختلف الآلات وفنون الشعر والرقص، إضافة إلى أنه أول من فكر في تنفيذ التبادل الثقافي وتوجيه البعثات الفنية، وفق مفهومنا العصري. ويؤكد جندلي: أن انتقاله للعيش في أميركا، كان سببا رئيسيا وراء شهرته، وذلك لأننا في الوطن العربي نهتم فقط بالتركيز في مناهج تدريس الموسيقى على كيفية العزف دون الاهتمام بالتدريب الأكاديمي، والإغفال عن دور المؤلف الموسيقي.

 

نهتم بالأغنيات ونهمل الموسيقى

 

يقول مؤلف الموسيقى عمر خيرت: إن اهتمامنا كشعوب عربية منصب على الأغنيات، وهي مجرد ألحان أغنيات، ولكنه مع حفنة من الموسيقيين المصريين الدارسين استطاعوا أن يوجدوا القصيد السيمفوني والافتتاحية والسوناتا، وقد صنع هذا الجو منذ البداية الرائد أبوبكر خيرت، عندما أسس الكونسرفتوار كمعهد أكاديمي، وهي فترة النهضة الفنية في مصر في الستينات، عندما أنشئت المعاهد الفنية التي صممها أيضا المهندس المعماري نفسه أبوبكر خيرت، وقد أوجد لنا كل ذلك حركة موسيقية متطورة وجدناها بشكل متعدد في العازفين في مختلف الفروع وفي الأساتذة الأكاديميين ومختلف أنواع الموسيقي.. لقد أصبح التأليف الموسيقي موجودا ومرتبطا بالموسيقي الأكاديمية من هارموني وتوزيع أوركسترالي.

 

ركض العازفين وراء الشهرة

 

يرى المؤلف الموسيقي عمر بشير أن هناك مؤامرة للقضاء على الموسيقى الراقية، وذلك لأسباب، من بينها إدخال آلات غربية إلى التخت الشرقي، متناسين الآلات الشرقية مثل العود والناي، في حين أن الفرق السيمفونية الغربية لا تستخدم العود ولا الموسيقى الإلكترونية. ويضيف: نفتقر إلى مسارح خاصة بالموسيقى، توازي بمواصفاتها المسارح الغربية، وإن وجدت فلا نعثر فيها على أجهزة صوت متطورة، وإن وجدت الأجهزة، فلن نجد كوادر بشرية متخصصة من مهندسي صوت وإضاءة وتقنيين آخرين لتشغيلها. فهؤلاء لا يجدون من يشجعهم على دراسة جادة لهذه التقنيات الحديثة، باختصار لا يوجد مسرح مجهز لعازف منفرد في الوطن العربي، إضافة إلى عدم وجود مهرجانات للموسيقى والاكتفاء بمهرجانات للأغنية، مبررين ذلك بأن «الجمهور عايز كده»، غير مدركين لما يرغب الجمهور في سماعه، فهو يريد الاستماع إلى فن راق بدلاً من مشاهدة أشباه مغنيات يتراقصن على المسرح، مؤكدا أننا أمام استعمار حقيقي يريد القضاء على الفن الأصيل، مثلما فعلت أميركا عند دخولها العراق من اغتيال للتاريخ العراقي الفني وحرق المكتبة العربية للموسيقى لتدمر الجيل المقبل حتى لا يتمكن من معرفة تاريخه، فضلا عن ركض بعض عازفي العود وراء الشهرة متجاهلين دور العود في نجاحهم.