من رحم الأفكار والمشاعر تولد الصورة معبرة عما يتطلع المصور لرؤيته، وليس عما يراه، فبحزمة ضوئية معينة يوجه مجمل حواسه نحو الهدف معطياً لكاميراته إذن الالتقاط، التصوير الضوئي هواية يمارسها كل عاشق للبوح بأداة غير القلم، وبمعان غير التي تجسدها الحروف، رغبة في تخليد إحساس أو فكرة ما.

ولكل مصور هاو تجربته الخاصة التي تحكي أول لقاء له مع الكاميرا، وأول صورة كسر من خلالها حاجز الخوف، وهو يرقب العالم عن قرب، فبالنسبة للهاوي (س.م) من السعودية كان التصوير أشبه بالشعوذة، وقد أرجع هذا الانطباع إلى حكاية قديمة عبر عنها قائلا: «كنت مبهورا جدا وأنا أشاهد أبي يلتقط الصور، ثم تخرج في اللحظة نفسها من أسفل الكاميرا قطعة بلاستيكية بيضاء فارغة، يهزها في الهواء لمدة خمس دقائق فتخرج صورنا بقدرة قادر،#من هناك بدأت التعرف إلى هذا الصندوق السحري الذي يمسك باللحظات الجميلة ثم يخرجها لنا»، وكذلك كبرت عزيزة العذوبي من سلطنة عمان وهي تشاهد الكاميرا في يد والدها وهو يصور الكثير من المناسبات العائلية مع كامل المعدات الاحترافية، وعن بدايتها الفعلية تقول: «كانت البداية عند انضمامي إلى جماعة التصوير في المرحلة الإعدادية ولكن خلال تلك الفترة تعلقت بدرجة كبيرة بفن الرسم، فركنت التصوير جانبا، إلى أن اكتشفت عوالمه الفنية المتجددة خلال المرحلة الجامعية بعد انضمامي إلى جماعة التصوير في الجامعة».

وتختلف قوة البداية عموما بين هاو وآخر، فالبعض يشق طريقه وحيدا، والبعض الآخر يجد من يوجهه ويأخذ بأزره، كانت البداية خجولة نوعا ما بالنسبة للشاب دجيمي (Djimi) من ألمانيا، فقد شق طريقه وحيدا في التصوير عندما كان مسافرا لسويسرا لزيارة أقاربه في أول رحلة له بمفرده، وعنها يحكي: «حين وصلت لسويسرا صورت الكثير من المشاهد ، لكنني لم أتجرأ بطباعة الصور إلا بعد ثلاثة أسابيع خوفا من النتيجة التي سأواجهها، لكني كنت سعيدا بالنتيجة، فقد كانت عكس ما توقعت تماما»، وبعد تجارب عدة لاحقة أصبح (Djimi) متمكنا من استخدام أدوات التصوير وقادرا على تذوق هذا الفن وقراءته، النتيجة ذاتها التي وصل إليها الهاوي تامر من مصر، الذي يعد حاليا مع زميل وصديق له برنامج تدريبي مكثف للمبتدئين في التصوير بشكل عام، ويذكر تامر أن أول كاميرا امتلكها في سن الثانية عشرة كانت من نوعية «كوداك»، شديدة البساطة لا تتطلب سوى أن توجهها إلى الهدف وتضغط الزر فقط، ويسرد لنا بعض ملامح الماضي البعيد معبراً: «أذكر أنني كنت أشتري لكاميراتي فيلمًا أو اثنين كل شهر تقريبًا مما كان يضغط على مصروفي وقتها إلى حدٍ كبير؛ لكن المرحومة والدتي كانت دومًا ما تشجعني بإكمال النقود الباقية من عندها، مع تحذيري بأن هذا الموقف لن يتكرر الشهر المقبل، وبالطبع كان الموقف يتكرر بحذافيره كل شهر مع اختلاف التفاصيل».

صعوبات

وبطبيعة الحال يواجه كل هاو صعوبات تعيقه أحيانا عن ممارسة هوايته وذلك باختلاف بيئته وأنماط التفكير السائدة في المجتمع الذي ينتمي إليه، «عدم تقبُّل الناس لفكرة الشخص الذي يحمل الكاميرا ويلتقط الصور بشكل عام؛ حيث إنني معتاد على التواجد بالمناطق الشعبية أو العشوائيات أو حتى المناطق الأثرية بالقاهرة والإسكندرية؛ وغالبًا ما أجد نظرات الاستنكار أو السؤال المُعتاد «انت بتعمل إيه بالضبط؟»، وكأنني كائن أخضر بستة أطراف يمسك بمدفع تخرج منه الإشعاعات!. كانت الصعوبة الأبرز التي واجهت تامر.

لكنه يعالج هذه الصعوبة بحكمة بالغة يخبرنا عنها: «لم تعد هذه المشكلة تمثل عائقًا كبيرًا بالنسبة لي أثناء التصوير، حيث أعتمد أحيانًا على شكلي وملبسي الذي يوحي غالبًا بأني سائح، أو بعض الحجج الجاهزة التي حفظتها؛ إمّا بالابتكار أو من خبرة العمل أو عن طريق الاحتكاك بالمصورين الآخرين ومعرفة ما يفعلونه في تلك المواقف»، ويوجد من الصعوبات ما هو مرتبط بأداء المصور والمهارات التي يمتلكها، إذ يقول (Djimi): «جزء كبير من عملي حاليا متعلق بمعالجة الصور، الأمر الذي يجعل الصعوبة الوحيدة التي أواجهها هي عدم وجود مرشحات تحسن من نوعية الصور المهزوزة»، وإضافة إلى ذلك تصنف عزيزة التصوير الضوئي من الهوايات المكلفة، وعن أبز صعوبة تقول: «الصعوبة الأبرز تتمثل في اكتساب ثقافة الصورة بشكل أكبر، وهذا يتطلب الكثير من المشاهدة والتعرف إلى أعمال الكثير من المصورين والكثير من القراءة والرغبة في التقاط أعمال متميزة لا مجرد محاكاة لأعمال الآخرين». ويرى (س.م) كذلك أن التحدي الأكبر يكمن في التقاط صور لمشاهد لم تعانقها العيون من قبل.

بين عشق الطبيعة والإنسان

وتختلف المضامين باختلاف المشاهدات، وباختلاف رؤى وتطلعات كل هاو، إذ نجد أن الطبيعة هي العشق الأزلي لبعضهم، تماما كما هو الحال عند (س.م) مفصحا: «أعشق الطبيعة كثيرا، وعشقي للطبيعة هو ما جعلني أسافر إلى إفريقيا لرؤية الطبيعة البكر، وأحرص كثيرا أن تبتعد صوري عن الحضارة، إذ أكره تصوير المباني، ولازلت أجزم أن الطبيعة لم تفقد بريقها رغم ملايين الصور التي التقطتها لها عدسات المصورين». ومثلما للطبيعة عشاقها، فإن للإنسان وأنشطته وما خلفه وراءه من إنجازات ومبان عشاق كذلك، و(دجيمي) أبرز مثال على ذلك، فهو يستلذ بتصوير كل ما صنعته يد الإنسان، وتشاركه عزيزة الاهتمام ذاته معبرة: «الأصالة والشموخ والتفرد هذه المعاني التي أسعى دائمًا إلى التقاطها، سواء كانت عن طريق تصوير الوجوه أو تصوير حياة الناس بكل تفاصيلها»، أما تامر فيلتقط كل ما يراه جميلا .

الحكاية الأقرب

ولكل صورة حكاية، لكن يوجد من الصور ما لا يمكن نسيان حكايتها، لذا تبقى هي الأقرب إلى قلوبهم، فصورة أسد في أحد غابات إفريقيا هي الصورة الأقرب لعاشق الطبيعة البكر (س.م)، أما تامر فصور المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية هي التي وجدت مكانا أوسع في قلبه، ليس لأنها الأجمل، بل لأنها أيقظت بداخله مشاعر حب قديمة للتصوير، كان قد أغفلها لفترة طويلة، ولا يستطيع (دجيمي) أن يحدد صور معينة، لأن لكل واحدة حكاية تضج بها الذاكرة، تماما كقلب عزيزة الذي يعلن: «الصورة الأقرب إلي هي كل صورة أتأثر بها لحظة التقاطها وأحس بأنني تفوقت على نفسي لحظتها».

صورة أم ألف نص ؟

«صورة واحدة أفضل من ألف نص»، يؤمن بعض الهواة كثيرا بهذا القول، على اعتبار أن قراءة الصورة أسهل بكثير من قراءة النص، إذ تقول عزيزة: «قول صحيح مئة بالمئة، حيث إن للصورة المقدرة على نقل الكثير من الرسائل الإنسانية التي لا تستطيع الكلمات ترجمتها بالشكل الذي يقبله المتلقي ويؤثر فيه»، ويشاركها الرأي(س.م) مصرحا: «أنا أؤمن تماما بهذه المقولة، وأحرص على تطبيقها في عملي الصحافي وتعليمها لكل صحافي جديد، لأن العصر أضحى سريع الإيقاع، فلم يعد القارئ يحرص كثيرا على الكلام المطول، فهو يشاهد المقال ويقرأ الصورة. إنها جزء من ثقافة هذا الجيل المستعجل». ويضيف: «إن أردت أن توصل رسالة ما اجعلها في شكل صورة، فهي تغني عن ألف مقال». أما (دجيمي) فيخالفهما الرأي تماما، ويرى أن للنص والصورة نفس المكانة.

المشاركة في الدورات والورش

ودون أدنى شك يسعى هواة التصوير إلى تطوير مهاراتهم من خلال المشاركة في دورات عدة رغبة في الوصول لمستوى الاحتراف، إذ شاركت عزيزة في دورات متخصصة في التصوير الضوئي خلال انتسابها لجماعة التصوير الضوئي في الجامعة، كدورة متخصصة في الاستديو والطباعة، ودورات عدة في نادي التصوير مثل دورة في الفلاش ودورة في تصوير الدخان، وكذلك تامر شارك في ورشات عدة كورشة إضاءة الاستديو، وورشة لمبادئ التصوير، أما ( دجيمي ) فيستمد خبراته من خلال عمله الذي يتعلق بشكل كبير ومعالجة الصورة، ويقول (س.م): «تعلمت مبادئ التصوير على يد أحد الأصدقاء المحترفين، كما أن لمواقع الانترنت المتخصصة في تعليم التصوير دور كبير بالإضافة إلى المصورين الذين يقدمون حصصا على موقع اليوتيوب، وهي إحدى المزايا الجديدة التي حظي بها هذا الجيل ولم يحظ بها أي جيل سابق».

التصوير في عيون محبيه

«التصوير مكننا من إيقاف الزمن وحبسه في إطار جميل وصغير، فكم هو شعور غامر وجميل عندما ترى صورة لك أو لمن تحب قبل عشرين عاما»، هذا ما أضافه التصوير لـ(س.م) الذي يعشق الصور الورقية ويجدها أكثر حميمية من الرقمية، وبالنسبة لعزيزة التصوير ليس مجرد كبسة زر، بل «عبارة عن مجموعة من التجارب والاحتكاك مع الناس والطبيعة والموجودات في الكون، حتى نخرج في النهاية بلقطة أو صورة تجسد الفكرة التي أرغب في إيصالها إلى من يشاهد ويتذوق الصورة»، والأمر ذاته بالنسبة لـ (دجيمي)، وكذلك هو متنفس يبعده عن ضغوط الحياة اليومية.

طموح

وبكل ثقة تقول عزيزة: «طبعا لا أريد الوقوف عند نفس المستوى، ولكنني أعمل على تحسين مستواي واكتساب المزيد من الخبرة والمهارات، أطمح أن يكون لأعمالي صوت يسمع صداه الكثيرون ويتأثرون به»، وبنفس الحماس يردد (س.م): «لازلت في بداية الطريق، إلا أنني أطمح بالوصول إلى مستوى يؤهلني إلى التقاط صورة تبلغ درجة من الجمال والكمال يظن من يراها بأنه تم إضافة تعديلات عليها ببرنامج الفوتو شوب رغم أنها لم تخضع».

عائشة آل خليفين، طالبة صحافة ونشر إلكتروني من جامعة السلطان قابوس في عمان، متدربة في «البيان»