بصعوبة شديدة يحاول أن يمسك بعكازيه اللذين لولاهما لما استطاع المشي، ويمضي بمساعدة أحدهم قبل بدء التصوير بساعتين، يجلس في السيارة فثمة من سيوصله لموقع التصوير، هو ولده أو سائقه أو أحد العاملين بالعمل، يصل موقع التصوير وسط ابتسامات الجميع الذين يعجبون بإصراره وبأسه وعناده على مقارعة المرض والألم، وتراهم يرغبون حقا في أن يستعيد عافيته ويعود سريعا إلى حياته الطبيعية، يبدأ التصوير ويسرق من الوقت توقف التصوير للحظات كي يطلق صرخة ألم؛ فهو ما عاد يقوى على المواربة فقدماه تؤلمانه، وكم المسكنات التي يتناولها صارت تتعبه، ولكنه سرعان ما يرسم ابتسامة أخرى كي يعاود التصوير لمشهد لاحق. ولعل النتائج الاستثنائية التي يحصل عليها خلال التصوير تشير إلى أنه يمتلك إرادة قوية في تجاوز كل ما يحصل معه الآن، هذا جزء من سيناريو يومي يعيشه الفنان فراس إبراهيم، وهو يجسد شخصية الشاعر العربي الكبير محمود درويش في مسلسل يحمل عنوان «في حضرة الغياب» الذي كتبه السيناريست حسن م يوسف على مدار عامين، ويخرجه المخرج نجدت أنزور، ويشارك فيه نخبة من نجوم العالم العربي.
وتبدو قصة فراس على هذا النحو عقب القرار الذي اتخذه بأن يستمر العمل بمسلسل درويش على الرغم من حادث السير المأساوي الذي تعرض له برفقة الموسيقار مارسيل خليفة قبل أشهر عدة، والذي لم يثنه عن قراره بإيقاف العمل في «درويش»، ولعل زيارة «الحواس الخمس» له في اليوم التالي للحادث كشفت مدى التزامه بإنهاء تصوير العمل في وقته، ففي الوقت الذي كان يعوده زملاؤه وأصدقاؤه، كان يوجد طاقم المخرجين المساعدين والمنفذين للعمل لاستشارته في الديكورات والأزياء والأدوار التي ستوزع، ولا بد لفراس بأن يذكر في هذا السياق أنه لا يستكين للمصاعب والمشكلات التي مرت به أثناء التحضير لدرويش، ومنها الحادث المرعب الذي تعرض له، وهو لا يستسلم الأمور بسهولة، ولا يصل للمرحلة التي يريدها إلا بعد تعب شديد.
وأكد إبراهيم أن المشروع يحتاج إلى زخم أشد وأكبر في المرحلة المقبلة، لافتا إلى أن الجو العائلي الحميمي يهيمن على موقع التصوير، والكل ملتزم بتقديم أفضل ما لديه لإنجاح هذه التجربة، ولعل هذا الجو يعكس أهمية تجربة درويش في فضاء الدراما العربية.
ويرى إبراهيم أن مشروع درويش بالنسبة له مشروع ممثل قبل أن يكون مشروع منتج، ولكن في النهاية لابد لكلا الأمرين أن يتفقا في نقطة ما، منوها إلى أنه سعى إلى الدخول في مزاج وخيال وروح الشاعر الراحل بمزاج الممثل دون الاعتماد كثيرا على مقاربة الشكل، وهناك الكثير مما يستطيع أن يوصله عبر حضوره كممثل فيه، لافتا إلى أن ما قدمه حتى الآن، والذي يوازي عشرين مشهدا تقريبا، قد تلقى عليها ردود أفعال طيبة من قبل الزملاء الموجودين حوله، ومن المخرج نجدت أنزور شخصيا، المعروف أنه يقدم دائما خيارات فنية ودرامية جديدة في الأعمال التي يقدمها. ولعل درويش بالنسبة له محطة متميزة في تاريخه الفني.
ويؤكد أنزور في حديثه مع «الحواس الخمس» أن هناك فضاءات إبداعية تغري المخرج بأن يجتهد على عوالم فنية مسايرة، وذلك حتى يكتمل المشهد الإبداعي الخاص بالعمل، لافتا إلى أن العمل مكتوب بطريقة فنية جديدة، ومخالفة لما يكتب في السير الذاتية التقليدية، منوها بالجهد التمثيلي والإنتاجي الذي يعمل فيه، ومؤكدا أن درويش سيكون نقطة ضوء منيرة في سماء الدراما العربية في الموسم الرمضاني المقبل، وأن هناك الكثير مما يستطيع المرء أن يتابعه في هذه الوجبة الدرامية والفنية والشعرية التي ستجعل عشاق درويش وعشاق شعره الجميل يقبلون على مشاهدة سيرة حياته، وهي مفعمة بروحه وحضور شعره وكلماته.
وأكد أنزور أنه يحصل على نتائج أكثر مما كان يتوقعه، وهو يحصد نتائج جيدة على أكثر من صعيد وبالدرجة الأولى الفنية منها، لافتا إلى طاقم المساعدين يتابعونه ويؤمّنون له كل ما يريده لتنفيذ خياراته الفنية، وقدر أنزور أن ينتهي من تصوير العمل خلال شهرين على الأكثر، لافتا إلى أن توقف تصوير العمل الآن لمدة عشرة أيام حتى يتم استكمال التحضيرات والديكورات للمرحلة المقبلة.
بطولة عربية مشتركة
العمل من بطولة فراس ابراهيم وسلاف فواخرجي التي تقوم بدور ريتا في العمل، وميرنا المهندس وأحمد زاهر وأسعد فضة وباسم مغنية وعمار شلق وشفيقة الطل ونادين سلامة وواحة الارهب ومجد نعسان آغا وعبدالرحمن آل رشي وزهير عبد الكريم وغيرهم من نجوم الدراما السورية والمصرية واللبنانية والأردنية والفلسطينية التي تعكس جوا عربيا يشابه حالة الشاعر درويش ، ونلفت هنا إلى أن هناك ست جنسيات عربية تعمل في هذا العمل، وثمة ما يزيد على مئة وخمسين موقع تصوير موزعة في ثلاثة عواصم عربية لتواكب مراحل العمل التاريخية التي عاش فيها درويش، وقد عرف عنه أنه دائم التنقل وكثير الحركة بين معظم أنحاء العالم .
زيارات منظمة لأصدقاء درويش
وصلت إلى دمشق قبل أيام السيدة حياة الحيني وهي زوجة الراحل محمود درويش قادمة من فيينا للاجتماع بفراس إبراهيم ومتابعة مراحل تصوير العمل في بادرة تهدف إلى تقديم الدعم المعنوي للعمل وقد عبرت عن رضاها وسعادتها لما رأته من مراحل التصوير حتى الآن، مؤكدة أن العمل سيكون شهادة ميلاد جديدة لمحمود درويش، وفي الوقت نفسه وصل أصدقاء درويش من الأردن وهم غانم زريقات وعلي حليلة وبعض الأسماء الأخرى لدعم هذا المشروع الفني الشعري، والاطلاع على آخر ما توصل إليه التصوير في منطقة دمشق، ومن المتوقع أن يشهد العمل زيارات مختلفة لأقرباء درويش وأصدقائه ورجال إعلام ومشاهير لهم علاقة روحية بدرويش بهدف الوقوف على مجريات العمل، وهذه هي جزء من خطة الإنتاج التي يديرها ويشرف عليها فراس إبراهيم نفسه والذي لم يشأ أن يعطي حتى الآن أسماء المحطات التي يتعرض لها العمل، لافتا أن هناك مداولات مع محطات عدة، والأمور لم تتضح بعد، مؤكدا أن هناك إقبالا على عرض العمل لشهر رمضان المقبل من قبل ما يزيد على ثمانية فضائيات عربية في الوقت ذاته.
